#adsense

المواطنة كمشروع طغيان مذهبي

حجم الخط

المفتي الشيخ أحمد قبلان يخطب عن ضرورة اسقاط الصيغة الطائفيّة وإرساء دولة المواطنة. الامر ليس بجديد. لم يكن يوما غريبا على الاكثريّات العدديّة في الدول المنقسمة طائفيا، خصوصا منها المحكومة من قادة وأحزاب يمتلكون كلّ صفات العنصريّة العرقيّة، ان يتحدثوا بإسهاب عن “دولة المواطنة”، على اعتبارها البديل المطلوب والحديث لدولة “النظام الطائفي” المتخلّف والتقسيمي. كان العنوان دائما المواطنة، والهدف الطغيان الطائفي.

العنوان اسقاط الطائفيّة، والمشروع الطائفة الحاكمة. كانت هذه حال الاكثريّة البروتستانتيّة في شمال ايرلندا، التي تبنّت بإسهاب “نظام وستمنستر” المتّبع في بريطانيا والقائم على اكثريّة تحكم واقليّة تعارض بشكل لا يعير أي اعتبار للهويّات الاثنيّة. لم يكن مهما ان يقول احدّ مؤسسي الحزب الحاكم ان الدولة أسست ليكون لها “برلمان بروتستانتي لشعب بروتستانتي”، او ان الحزب الحاكم لم ينجب كاثوليكا واحد يجعل منه وزيرا طيلة خمسة عقود.

كانت هذه أيضا الحال مع المسلمين الذي يشكّلون الاغلبيّة العددية في البوسنة، والذين تصدّو لطروحات الصرب الفدراليّة بالإصرار على “دولة المواطنة” التي لا تحتاج الى ضمانات طائفيّة لاحد.

لم يكن مهمّا هنا ان ازّتبكوفيتش، القائد التاريخي لمسلمي البوسنة ورئيس الدولة المركزيّة، كان قد اصدر كتابا في العام ١٩٧٠ يقول فيه انه “لا يوجد امكانيّة للتعايش بين الدين الإسلامي والمؤسسات السياسيّة – الاجتماعيّة غير الاسلاميّة”. وكانت هذه الحال أيضا مع الأحزاب والمرجعيّات الدينيّة في العراق، الذين رفضوا إعطاء ضمانات للسنة العراقيين تحت شعار “حكم الاكثريّة” القائم، طبعا، على “المواطنة”.

ولم يكن مهما هنا ان هذه الأحزاب تمثّل، بشعاراتها و برامجها و ارتباطاتها الخارجيّة، عصارة الفكر المذهبي، او ان رئيس وزرائها شبّه يوما معاركه الالغائيّة مع السنّة بمعارك الحسين مع يزيد.

كل هذه الظواهر تؤكّد ان عقيدة المجموعات – مهما تغلّفت ببعد فكري او فلسفيّ – تعتمد قبل كلّ شيء على الديموغرافيا، فالأكثرية مع “المواطنة”، والاقليّة الكبيرة مع “التشاركيّة”، والاقليّة الصغيرة مع “المواطنة” (لان التشاركيّة لا تعطيها حقّ فيتو).

لكن قراءة تصريحات هؤلاء عن المواطنة، تجعل المراقب يعتقد انّه يستمع الى جيمس ماديسون، أحد كاتبي “الاوراق الفدراليّة”، النص التأسيسي للدستور الأميركي، او ماركي دو لافاييت، كاتب الإعلان التاسيسي الفرنسيّة، او الى الانور روزفيلت، رئيسة اللجنة المكلّفة وضع الإعلان العالمي لحقوق الانسان. يفوت هؤلاء ان الانظمة الطائفيّة – او التشاركية – تضطر اسفة لوضع ضمانات للأقليات الطائفية تحديدا بسبب المسافات الضوئيّة التي تفصل قادتهم واحزابهم عن مفهوم المواطنة.

ليست كل الاكثريّات كذلك طبعا: عندما فاوض منديلا الاقليّة البيضاء عند انتهاء نظام التمييز العنصري في جنوب افريقيا، لم يطالب “الحزب الوطني” الممثّل للأفريكانز بنظام ضمانات عرقيّة، لاّن منديلا كان قد اثبت ولاءه المطلق لمشروع سياسي قائم على المواطنة (خلافا لرغبة زوجته التي عيّنها وزيرة ومن ثمّ طردها بسبب نزعاتها الانتقاميّة).

ان متابعتي لكلّ التصريحات التاريخيّة المذكورة أعلاه لم تسعفني وانا استمع الى الخطبة السورياليّة للمفتي الجعفريّ الممتاز احمد قبلان – المتحدّث “الشرعي” باسم “الثنائيّة الشيعيّة” – والتي طالب فيها “بإسقاط الصيغة الطائفيّة لصالح دولة المواطن”، مهاجما رياض الصلح وبشارة الخوري، اللذين يقفان خلف “أصل نشأة لبنان الطائفي والاستبدادي” الذي ولد “خدمة للمشروع الاستعماري”.

كما طالب بكسر للوثنيّات السياسيّة، والغاء الفدراليّات (للحظة اعتقدت ان الكلام موجّه لحزب الله، أكثر الأحزاب طائفيّة في المشرق العربي، والمقيم لدولة كونفدراليّة، او لسيّده، المرتفّع الى درجة النبوّة في كل شؤون حياتنا!).

وبما ان الخطبة سياسيّة بامتياز (الانفتاح على سوريا، صندوق النقد، تحرير القدس، الخ)، اسمح لنفسي بفتح نقاش بنّاء حولها، تثبيتا لحوار العيش المشترك الذي اتى الشيخ على ضرورة صونه.

أوّلا في الوقائع التاريخيّة: النظام الطائفي في لبنان لم يتأسّس لخدمة “الغرب الاستعماري” – بل العكس تماما – ففرنسا المهووسة بالعلمانيّة (منع النقاب مثالا) ضغطت، خلافا لإرادة اللبنانيين، لجعل النظام اكثر مدنيّة (كما يظهر نص دستور ١٩٢٦).

كما انّه لم يكن استبداديا، لأنه هو الذي سمح للمسلمين – سنّة وشيعة ودروز – بالتمثيل السياسي، لان نظاما أكثريا بأحزاب طائفيّة كان أوصل الى نظام طبق الأصل عن ايرلندا الشماليّة، حيث اغلبيّة طائفيّة تحكم، واقليّة تبقى خارج الحكم.

وأخيرا، وبما ان الخطبة عن الإفلاس، فان دولة الخوري والصلح – على علّاتها وما اكثرها – كانت اغنى من سنغافورة في العام ١٩٧٢، فيما دولة “حزب الله”، صانع نظام العقد الأخير، أودت بلبنان مفلسا الى صندوق النقد “الامبريالي”.

امّا في السياسة: هل تقبلون بإلغاء الطائفيّة فعلا؟ هيّا بنا! هل تقبل الثنائيّة الشيعيّة – وفق منطق المواطنة – حكومة لا يتمثّل فيها الشيعة إذا خسروا الانتخابات، وهم لا يقبلون حتّى بشيعة من خارج احزابهم؟ طبعا لا، فالمطلوب الغاء الطائفيّة في مجلس النوّاب، لزيادة النفوذ السياسي للصوت المذهبي المصوّت بتكليف شرعي، والإبقاء عليه في السلطة التنفيذيّة، ضمانا لحقّ الفيتو. هل يقبلون رئيسا غير شيعي لمجلس النوّاب في دولة مواطنة يختار فيها تحالف أكثري سنّي – مسيحي الرؤساء الثلاثة؟ بدل التلهّي بعناوين كبيرة مشرقة، يا ليتنا نحلّ اوّلا – فقط حرصا على منطق المعاملة بالمثل قبل المواطنة – المعضلة “الاستبداديّة” التي تسمح بالإتيان برئيس وزراء سنّي لا يمثّل الا نفسه فيما مجرّد التفكير برئيس نواب شيعي غير الرئيس برّي كفيل بإشعال حرب اهليّة. الا اذا كان كل الموضوع ابتزاز ديموغرافي للمسيحيين – دعم السلاح مقابل إبقاء “الصيغة” – فلهذا بحث اخر.

و أخيرا، بما انّه لا يصّح لشخصيّة رافضة لقانون مدني للأحوال الشخصيّة (الركيزة الاولى للمواطنة)، او داعمة لحزب مشروعه العقائدي الدولة الاسلاميّة (حزب الله)، او تابعة لحزب يحرّم مشايخه شرعا تعيين بدائل عنهم في الحكومة (حركة امل)، الحديث عن المواطنة، سأسمح لنفسي من منطلق اكاديمي بحت، وبعيدا عن الحساسيّات اللبنانيّة، بإعادة صياغة الخطبة بشكل يقبله العقل و المنطق: “ان المسلمين الشيعة في لبنان، الذين لم يكونوا شركاء حقيقين في ميثاق ١٩٤٣، لم يعودوا قادرين على تقبّل نظام طائفي لا يعترف بحجمهم الديموغرافي و قوّتهم السياسة و المعنوّية، و لذالك وجب تعديله وفقا لموازين القوى الحاليّة. نريد اقلّه المثالثة”.

هنا اقلّه يبدأ النقاش الجدّي والصريح، وننتهي جميعا من المعزوفة التاريخيّة اللبنانيّة القائمة على التحايل على بعضنا البعض. ولكن بطبيعة الحال، فان اوّل ما سيثار في هكذا حوار، هي مسألة السلاح (الطائفي)، الذي لا تملك الاغلبيّة المطلقة من اللبنانيين حتّى حق التشاور فيه، فيما هو يحكم فوق الدستور و يقضي تدريجيّا على حياتهم و اقتصادهم و مستقبلهم.

امّا النقاش بما خصّ ضرورة التدرّج باّتجاه الدولة المدنيّة القائمة على المواطنة الحقيقيّة، فهو قائم ويتطوّر مع مواطنين حقيقيين لا طائفيين – كثوّار ١٧ تشرين – الذين ربما سقط مديحهم سهوا من الخطبة.

 

المصدر:
النهار

خبر عاجل