#adsense

لماذا يتمسك المسيحيون بالدولة؟

حجم الخط

«سيبغضكم الناس جميعاً لأجل اسمي، والصابر الى المنتهى هو الناجي» (انجيل متى)

تعمّدت يد الشر التكفيرية، ان تمتد الى المسيحيين هذه المرة، في ليلة ميلاد المخلص يسوع، حيث استشهد عشرات المسيحيين في نيجيريا، وهم يحتفلون بمولد الفادي، الذي تنبّأ لهم منذ أكثر من الفي سنة بقوله الى تلاميذه «سيبغضكم الناس جميعاً لأجل اسمي، والصابر الى المنتهى هو الناجي». وكان سبق للسيد وقال لتلاميذه في خطبة الجبل، حسب انجيل متى، «طوبى لكم، اذا سبّوكم واضطهدوكم، وافتروا عليكم بسببي كلّ ســوء». وكان يسوع في ما قاله يقرأ في كتاب مفتوح ومعلوم منه، ويعرف تماماً انه سيكون الضحية الأولى لدعوته، وسيرفع على الصليب لأنه دعا الى المحبة والتسامح والمغفرة، ونهى عن القتل والزنى، في زمن كان القتل والبغض والدنس، وما زال، هي السائدة لدى الجنس البشري، ولذلك تعرّض تلاميذ المسيح وأتباعه، الى القتل جماعات جماعـــات، اما على خشــبة الصليب، واما طعماً للوحوش، واما ذبحاً بالسكاكين، أو تفجيراً بالقنابل، و«الصابر الى المنتهى هو الناجي».

المسيحيون الذين يقتلون ويذبحون منذ سنوات، ليسوا مقاتلين ولا مستعمرين، ولا طارئين على الدول التي يعيشون فيها، ولا يشهرون السلاح في وجه شـركائهم في الأوطان، حتى أنهم في دول عدّة لا يملكون سلاحاً على الإطلاق، ومع ذلك يطارَدون في أعمالهم وبيوتهم وكنائسهم، فقط لانهم مسيحيون، والـــغريب في الأمر أن القـــتلة في هذه الأيام هم من المسلمين، الذين يعبدون الله، ويقدّسون النبي محمد – كما يزعمون – ويحفظون آيات القرآن الكريم عن ظهر قلب، والقرآن المنزل، يقدس عيسى وأمه مريم، وهما عنده من الانبياء الأطهار الصالحين، فمريم اصطفاها الله لتحــبل بما نفخ فيها من روحه، أما أتباعه من رجال ديـن وعاديين، فهناك العديد من الآيات التي توصي المسـلمين بهم خيراً لأنهم «قوم لا يستكبرون» ولذلك فإن مسؤولية رجال الدين المسـلمين، والمســلمين عموما، كبيرة جدا، ليس لحماية المســيحيين في الدول العربية التي كانت سابقا ذات اكثرية مسيحية طاغية وحسب، بل لطاعة واحترام كلام الله، الذي تضمنه القرآن الكريم وحمله الى جميع أقطار العالم، وهذا فرض واجب في الدرجة الاولى على ملوك ورؤساء وقادة الدول العربية، حيث يفترض بهم ألا يتساهلوا في تطبيقه، ان كانوا يعتبرون ذواتهم مسلمين ملتزمين.

* * *
في العودة الى لبنان، يمكن القول انه على الرغم احيانا من التـهديدات التكــفيرية، والقيام بأعمال امنية محدودة الحجم، وعلى الرغم من الحرب المدمرة التي اتخذت في بعض فصولها اشكالا طائفية، ما زال المسيحيون يعيشون مع شــركائهم في الوطن، وضعا مريحا على صعيد حريـاتهم الدينية، وانخراطـهم في الدولة، رغم خــسارة العديد من الضمانات، ورغم ضعف الدولة ومؤسساتها، التي يعوّل المسيحيون عليها الكثير، لاستمرار وجودهم الحر في ظل دستور حفظ لهم منصب رئاسة الجمهورية، وكرّس لهم نصف مقاعد مجلس النواب، ونصف عدد الوزراء، ونصف مناصب الفئة الاولى في ادارات الدولة ومؤسساتها، والتزام مستمر من المسلمين، وخصوصا المسلمين السنة، بل من رئيس الحكومة، ان العد السكاني قد توقف بالنسبة إليهم عند توقيع اتفاق الطائف، وان المناصفة بين المسلمين والمسيحيين قائمة ومستمرة ما دام النظام السياسي الحالي على قيد الحياة.

ما يخشاه المسيحيون، جميع المسيحيين، وهذه الخــشية مــشتركة بينهم وبين فريق كبير من المســلمين المعتدلين، هو نجاح محاولات اضعاف الدولة، الى درجة تهددها بالتفكك والانهيار بمثل ما حدث في العراق ونيجيريا وعدد من دول افريقيا وآســيا واوروبا الشرقية، بحــيث يملأ فراغ هذا الانهيار انظمة تكفيرية، مثلما حدث في اندونيسيا وافغانستان والصــومال وغيرها، او انظمة ديكتاتورية تســحق الحريات العامة في شكل كامل، او انظمة ضعيفة، يتســلل من خلالها الطالبــانيون، والقاعديون، والتنظيمات التكفيرية المتعصبة امثال فتح الاسلام او جند الاسلام، او تنظيمات شــيعية متــطرفة، مثلــها مثل التنــظيمات السنية، التي لطالما اعتبرت ان ارض لبنان هي ارض المسلمين، وان واجبها الشرعي العمل على قيام نظام اسلامي في لبنان، او العودة الى حكم الخليفة، لذلك فإن الهم المسـيحي هو مكافحة كل مــا مــن شــأنه إضعاف ســلطة الــدولة، على الصعد الامنية والسياسية والمالية، ودعوة الجميع الى مساعدة الدولة وتقويتها، واعتمادها المــظلة الواقيــة للعـيش الواحد والسيادة والحريات العامة والاستقلال.
كل ميلاد ولبنان بخير.

المصدر:
الديار

خبر عاجل