ينتحل اللبنانيون الفرح وجها لهم في عيد رأس السنة،كعادتهم كل عام منذ كانوا وكان لبنان مستقلا. فعدا سنوات قليلة لحقت بيوم استقلال بلدهم، ثم تخلل مثلها خمسينيات ثم ستينيات القرن الفائت، لم يكن لهم يوما اطمئنان الى غد، ولا قدرة على التخطيط للآتي: هم مياومون في الحياة يراكمون أيامها ولا يعيشون مسارا لهم فيها، لذا ليس رأس السنة مفترقا بين سنتين بل فاصل بين تراكمات، والفرحة به بنت اللحظة، وليست ربيبة اطمئنان.
حال اللبنانيين ليس أسوأ من حال أبناء جلدتهم العرب، وإن تميز هؤلاء بحسم نهائية ارتباطهم بأوطانهم وانضباط علاقاتهم بدولهم، الى حد كبير، فيما الأولون لا يزالون أسرى استخدامهم في لعبة التوازنات الإقليمية والدولية، وأوراقا في سداد الأثمان الباهظة في شراء هذه أو تلك من الدول الطامحة أدوارا تسعى إلى لعبها.
لكن الجميع سواسية في البحث عن الديموقراطية في ممارسة الحياة السياسية، وفي تجنب غضب المقتدرين من أهل الانظمة، على تفاوت قربهم منها. وإذا كان للبنانيين تمايز في هذا الشأن فمرده حدود القسمة بين الطوائف التي تمنح حمايات غير مرئية ومتاريس غير ملحوظة تحصن ابن هذه أو تلك في وجه أبناء الأخريات ما يسمح بالمفاخرة اللبنانية بالحرية كمكتسب وطني تماما كالتبولة والكبة النية: إبتداع لا تنظمه قاعدة ومكتسب لا يحميه منطق.
هذه الميزة تختصر ما يسمى الانتماء الوطني اللبناني، أما ما عدا ذلك من عناوين اعتزاز فليس سوى من نوع الفولكلور اللبناني كإمكان التزلج والسباحة في يوم واحد، والعمل خمسة أيام في الاسبوع، واللجوء الى ذوي النفوذ للتقدم في العمل، والاقتراض الى ما شاء الله من المصارف طالما توفر من يمنح إفادات راتب، وطالما هذه مستعدة لتواطوء يوفر لها تشغيل الأموال الفائضة لديها بمردود مضمون.
اما الاعتزاز بالانتماء الى الوطن باعتباره حصنا ومناعة بذاته ولما يملك من مقومات تٌراكمها دولة عنوانها سيادة القانون وفصل السلطات، ومواطنون يلتزمون واجباتهم قبل حقوقهم، فذلك أبعد ما يكون عن الهوية الوطنية بمقاييس الدول. كيف لا وفخر أي لبناني أنه استطاع أن يخالف القانون في بناء يقيمه، أو تجارة يؤديها، أو عمل يلتزمه، من دون أن تنجح السلطة في معاقبته، أو تكشف فعلته؟ من هنا ولد تعبير "اللبناني الشاطر "الذي يشير الى الاحتيال وليس الذكاء، خلافا لما يحاول البعض ايحاءه.
أخطر ما في الأمر أن التهرب من الدولة تحول على المستوى العام الى هروب نحو الدول الأخرى، تمارسه القوى السياسية، والطوائف: تستنجد بدول الجوار لنصرها على شركاء في وطن لا تتفق عليه مع نظرائها، فتصبح وغيرها أدوات لمآرب الغير وتدخل كورقة من أوراقه في المساومة على دور إقليمي أو اعتراف بأولية على متساوين، فينفرد لبنان بمهمة تحرير فلسطين، ويوقع الآخرون اتفاقات سلام، أو ينتظرون منه أن يسهل لهم بدم أبنائه الوصول إلى هذا السلام. حتى حلم العروبة صمت عنه الجميع إلا اللبنانيون، وبات الحديث عن مصالح إقليمية تجمع هذه الدولة مع تركيا وتلك مع إيران، وحتى مع الاثنتين معا، بات أقوى من كل كلام على المصالح العربية الواحدة أو المشتركة.
يعيّد اللبنانيون رأس السنة الجديدة وهم عاجزون عن التكهن بما سيحمله متنها. سيخترعون في الليلة الموعودة فرحا لا يخصهم يطلون به من بين أصابع التهديد وخطب المواعيد المضروبة لهم من خاطفي الأمل بالاستقرار.
علها تكون آخر المراهنات التي رفعتها القوى الداخلية باسم الطوائف بعضها ضد بعض منذ "70 في المئة من الأرض و80 بالمئة من الشعب" إلى "حالات حتما" وصولاً اليوم الى "الخيار بين العدالة والاستقرار"، فيلد الوطن ومعه الدولة.