#adsense

تحول استراتيجي في ثورة 17 تشرين

حجم الخط

شهدت نهاية الاسبوع الماضي تحركات جديدة لثورة 17 تشرين، استعادت معها ألقها، لتؤرق بقوة من ثارت عليهم هذه المرة. والملفت في حراك الثورات عالمياً، أن الخط الاستراتيجي الذي ترسمه، يكون ثابتًا في معظم الأحيان، إلا أنه يتعرض لتبديلات استراتيجية في حال تلمست هذه الثورات ضرورة تعديل مساراتها ضمن الخط الاستراتيجي الواحد والموحد. فهل استطاعت ثورة 17 تشرين أن تنجح حتى الآن في الحفاظ على خطها الاستراتيجي؟ وهل استطاعت إدخال تعديلات جوهرية في رؤيتها الثوروية؟

صحيح أن ثورة لبنان انطلقت من وجع اجتماعي عاناه اللبنانيون جميعهم. وبادئ ذي بدء، لم تلتفت هذه الثورة إلى الأسباب الجوهرية بل اعتمدت على ما تم الوصول إليه. أي أنها نظرت إلى النتيجة التي تم اختصارها بالفساد السياسي. وبالطبع في ذلك حقيقة صارخة لأن الفساد السياسي ذرب حتى الأعماق. وهو من المسببات الأساسية التي أوصلت البلاد إلى هذا الدرك من الانحطاط. وعلى حد قول المفكر شارل مالك، مفكر الكيانية اللبنانية، وحدهم الذين يحملون الارث الحضاري يستطيعون مواجهة آفة الانحطاط.

لذلك هذه الثورة مدعوة اليوم لاستنهاض همم المثقفين فيها لبث الروح الثوروية الحضارية لمحاربة المنحطين فيها الذين لا يميزون بين أصحاب الأيادي البيضاء الذين يواكبون ثورتهم من تحت قبة البرلمان، وفي قلب مؤسسات الدولة. فالثورة الحقيقية هي التي تصحح ذاتها بذاتها لأنها ربيبة الديمقراطية، ويجب ألا تكون منحدرة من فكر يساري مر عليه الزمن، أو حتى تحاكي الفكر الوحدوي تحت شعارات قومية فضفاضة.

إضافة إلى ذلك، ملفت ما حدث في ساحات الثورة حيث تم الدعوة إلى تطبيق القرارات الأممية لا سيما القرار 1559 الداعي إلى نزع سلاح الميليشيات، وهنا قصدت الثورة سلاح حزب الله بشكل مباشر. وفي ذلك تبدل استراتيجي في مسار الثورة لأن هذا السلاح إضافة إلى دوره الاقليمي دخل في صلب الحياة اللبنانية السياسية. وخير مثال ما حدث في 7 أيار 2008 حيث استعمل السلاح لإجبار الحكومة عن التراجع في قرار سياسي إداري.

هذه الثورة لا تطالب بحل حزب الله، بل تطالب الحزب نفسه بإعادة تنظيم استراتيجيته وأولوياته للدخول في صلب المنظومة السياسية للدولة. صحيح أن له تمثيلا وزاريا ونيابيأ في السلطة السياسية، لكن هذا التمثيل توجهه البوصلة الايديولوجية من طهران التي تلتزم بدورها في استخدام السلاح حيث يجب، وعندما يجب؛ حتى لو كانت وجهة الاستعمال أترابه في الوطن والوطنية. ولنا في ذلك أمثلة وافرة، تبدأ من معارك إقليم التفاح مع حركة أمل في العام 1987 على خلفية خطف حزب الله العقيد الأميركي وليام هيغينز بعد عودته من اجتماع مع مسؤول محلي من حركة أمل. ليطلق نبيه بري، رئيس حركة أمل، الأمر لمناصريه بالبحث عن المخطوف في إقليم التفاح. فاندلعت مواجهات عنيفة بين الشقيقين: أمل وحزب الله.

وانتقلت المعارك بين النبطية والغازية وصور وصِديقِين حتى قرى جبشيت وزوطر. حتى قرية مغدوشة، عاصمة الكثلكة الجنوبية، لم تسلم من هذه المعارك. كذلك وصلت إلى البقاع في 2 أيار من العام نفسه؛ ومعروف مساعدة مَن تلقى حزب الله في البقاع. ووصلت حتى غرب بيروت وأحياء الشياح والغبيري. وعلى أثر اجتماع سوري – إيراني مع عناصر من أمل وحزب الله في السفارة الايرانية في 12 أيار تم التوصل إلى اتفاق بين الطرفين وإنهاء الخلاف الذي عاد وظهر في العام 2016 في بلدة الصرفند الجنوبية التي شهدت قتالا مسلحًا بين الطرفين.

أوردنا ذلك كله لنقول إن الانتقال السلس المفروض أن يمارسه السلاح غير الشرعي بعد انتهاء الحرب لم يتم حتى اليوم.  من هنا، على الثورة أن تتحرك لتدفع نحو تحقيق سيادة الدولة الكاملة على أراضيها. فالحرب انتهت إلى غير رجعة. لقد نجحت الثورة اللبنانية في الحفاظ على خطها الاستراتيجي، ويشهد لها بهذا التحول لتستطيع التحرر كليا من أي قيود غير شرعية. والقيد الشرعي الوحيد الذي يجب أن تحتفظ عليه هو كيانية الدولة اللبنانية وحيادها الايجابي للوصول إلى المبتغى.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل