كثر، في الآونة الأخيرة، نقل مواقف وتحليلات تتعلق بالمحكمة الدولية، كما قامت وسائط إعلامية صحافية بنقل مواقف وضعتها في خانة المصادر السورية الرفيعة، إلا أن دمشق لم تؤكد هذه المواقف والتحليلات، ولم تنفها في الوقت عينه، والمؤكد أن سورية، وعلى لسان رئيسها بشار الاسد، أكدت أنها تنتظر القرار الظني "الاتهامي" لتدرسه، ثم تقرّر ما إذا كان يحمل إثباتات وقرائن وأدلة وعلى ذلك ستقبله، وأما إذا جاء بلا إثباتات إدانة حقيقية، ويحمل في تلافيفه توجهات سياسية فهي سترفضه بالمطلق.
إيران في هذا الخصوص قالت كلمتها عبر تصريح لمرشد الجمهورية الاسلامية الايرانية علي أكبر خامنئي، والذي أفتى فيه بتحريم التعامل مع المحكمة الدولية، وتلازم هذا مع معلومات صحافية تقول إن الرئيس السوري بشار الاسد يعتبر إسقاط المحكمة الدولية موازياً تماماً لإسقاط اتفاق 17 أيار في الثمانينات من القرن الماضي، وفي اليوم التالي على تداول هذه المعلومات قال سمير القنطار "الاسير المحرّر" في مقابلة تلفزيونية إن الرئيس السوري بشار الاسد يرى أن إسقاط المحكمة الدولية ضرورة وطنية وقومية، وهو مشابه تماماً لإسقاط اتفاق 17 أيار.
بين هذا وذاك ننظر الى سورية لنرى أنها لم تنفِ ولم تؤكد هذا الكلام، بمعنى أنها لم تقل كلمتها النهائية بعد، ما يعني، وتبعاً لمعرفتنا بالسياسة السورية، أن كل هذه التسريبات لا يمكن الاعتماد عليها، ولا الأخذ بها على الاطلاق.
إن موضوع المحكمة الدولية لا يمكن أن يلغى بمثل هذه البساطة، ولا يظنن أحد أن هذه السيناريوات المطروحة من هنا وهناك قد تؤثر على مسار المحكمة، وحتى لو افترضنا جدلاً أن لبنان قرّر وقف تمويل المحكمة وسحب القضاة اللبنانيين، فهذا لا يضير المحكمة في شيء، ولا يشكل لها عائقاً، لأن بدائل ذلك جاهزة في الأمم المتحدة.
وما يجب التنبّه إليه تماماً هو، أن اي تحد للقرارات الدولية يترتب عليه تداعيات خطيرة، وقد تابعنا ذلك في ليبيا، ومحاولتها التملص من القرار الدولي الخاص باتهامها بقضية "لوكربي"، والحصار الدولي الذي فرض عليها، ما اضطرها الى القبول بتسوية واضحة دفعت بنتيجتها ديات الضحايا، وقدّمت المتهمين بإسقاط الطائرة الى المحكمة الدولية، حيث تمت المحاكمة، وأخذت العدالة مجراها، وكذلك الحال في العراق إبان حكم صدام حسين، الذي حاول عدم تنفيذ القرارات الدولية، فتم احتلاله وإسقاط نظامه وتفكيكه، وكذلك الامر في يوغوسلافيا، سابقاً، التي تم تفكيكها ونظامها أيضاً، واعتقال قادتها وتقديمهم الى المحاكمة.
إن لبنان، في هذا المعنى، لا يستطيع تحدّي القرارات الدولية، وهو، ملتزم الشرعية الدولية وقراراتها كل الالتزام.
الجدير بالملاحظة هنا أن التعديلات التي أدخلت على قانون المحكمة الدولية في الامور الإجرائية لمسارها، كمحاكمة المتهمين غيابياً تعتبر مدخلاً للتسوية وللتفاوض أيضاً.
ومن هنا، لا يترتب على لبنان، وفق مواقفه، أي مسؤولية فهو مع مقررات الشرعية الدولية وتنفيذها اصولاً.