#adsense

بين 17ايار والعقدة السورية في لبنان

حجم الخط

لا يكفي ان تتولى سوريا الى جانب اللمملكة العربية السعودية وساطة ما اصطلح على تسميته الـ "س – س"، كي تصبح سوريا بمثابة حكم شريف يقف على مسافة متساوية من كل اللبنانيين على حد الزعم والاعلان غير المقترن على الارض الا بالنقيض.

ولا يكفي ان تكون سوريا في لجنة وساطة او لجنة مساعي حميدة اقليمية او دولية حتى يصبح النظام السوري في ملجأ من اي شكوك او توجسات او هواجس حيال سياسته في لبنان.

الشواهد عبر تاريخ العلاقات بين البلدين كثيرة بشأن وجود خط سير واحد للسوريين تجاه لبنان ووجوده ودوره – خط سير واحد مفاده ان سوريا لطالما دعمت القوى الداخلية التي تدين بولاء لخطها السياسي القومي ولاهدافها الاستراتيجية في المنطقة – على حساب التمايز اللبناني ومصالح لبنان وسيادة واستقلال هذا الوطن.

وفي هذا السياق نتوقف عند الحقائق الاتية:

1- لا تنظر سوريا الى لبنان الا من منظار الخلفية الاستراتيجية القومية لامنها، وبالتالي ان لعنة الجيو – سياسة التي تكلمنا عنها سابقا – تجعل من لبنان مجالا سوريا حيويا من الصعب ان يكتب له الاستقلال عن النظرة السورية الاستيعابية والاستئثارية والاستيلائية على لبنان في المنظور السوري العقائدي.

2- انطلاقا من هذه الثابتة اعلاه لا يستطيع النظام السوري تصور لبنان لا يكون لها فيه كلمة الفصل او على الاقل التأثير المباشر على احداثه وتطوره ومسيرته – وبالتالي القدرة على التحكم فيه – من هنا نجد ان دمشق لا ترى عيبا او خجلا من ان تجاهر بوقوفها الى جانب حلفائها في لبنان وعلى رأسهم المقاومة اليوم المتمثلة بحزب الله كما ان دمشق لا تخجل او تستحي من المجاهرة بعدائها لقسم كبير من اللبنانيين الذين لا يتبنون سياساتها ونظرتها الى مشاكل المنطقة والى تصورها حول دور لبنان في خدمتها.

3- اذا عدنا الى لمحة شاملة تاريخية وسياسية، نلاحظ ان سوريا لطالما وقفت في لبنان الى جانب الاطراف الذين يقدمون مصالحها القومية والحيوية على مصالح لبنان – فعندما خاضت معركة اسقاط اتفاقية 17 ايار مع حلفائها في لبنان لم تهتم لمسألة تحرير لبنان من الاحتلال الاسرائيلي بقدر ما اهتمت بمسألة امنها القومي مع وجود جيش اسرائيل على حدودها ورغبتها في تسجيل البطولات من خلال حض الحكم اللبناني انذاك (الرئيس الجميل) على اعتماد المقاومة بدل التفاوض – مع ان ميزان القوى كان ضدها وضد لبنان مع وجود الجندي الاسرائيلي في بعبدا. فوزير الخارجية السوري عبد الحليم خدام خير من لخص هذه الحقيقة بقوله لوزير خارجية لبنان انذاك ايلي سالم ما حرفيته "…لبنان دولة مستقلة وطبيعي ان تفعل ما هو لمصلحتها اما سوريا فتنظر الى القضية من منظور الصراع العربي – الاسرائيلي …اننا ندعم جهودكم لكننا كذلك مقيدون بمنظورنا – امل ان لا يصطدم الامران .."(من كتاب دكتور ايلي سالم – الخيارات الصعبة – ص.145).

4- ان سوريا ومنذ ايام الحرب الباردة لم تكن ابهة بما يمكن ان يكون عليها من تأثير تطويقها وعزلها غربيا واميركيا. فكم من موقف اتخذه النظام السوري من الغرب والولايات المتحدة في مراحل معينة اتسم بالتحدي والتشنج والتوتر، لانه كان مستقوياً بالسوفيات في مرحلة واليوم يستقوي بالايرانيين. وكل هذا في سبيل استمرار سوريا بموقف المواجهة والمعاندة والطوق لاسرائيل – حتى لو كلف النظام السوري ذلك الخيار اثمان باهظة – فيكفي ان نذكر مثلا كيف رفض الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد عرض الرئيس الاميركي بل كلينتون انسحاب اسرائيل من 98% من الاراضي السورية المحتلة خلال قمة جنيف. وقد انتهج النظام السوري مبدأ المواجهة والرفض والمقاومة من منطلقات عدة ابرزها القلق على صورته امام شعبه كما يقول المسؤول الاميركي مارتن انديك في كتابه "ابرياء في الخارج". وقد قال الرئيس الراحل حافظ الاسد للكاتب الموفد من الرئيس كلينتون انذاك في معرض المفاوضات بشأن الجولان مع اسرائيل في نيسان 1999 بانه لا يريد ان يطلق شعبه عليه النار ثمنا لمرونته التفاوضية (ص 293) ما جعله ويجعله الى الان مفطورا على الخيارات الصعبة والنهج القتالي والمقاوم، ولو ادى ذلك الى عزلة عن العالم والى تقوقع في محاور كما هو حاصل اليوم في حلفه المجابه مع ايران.

5- وبالعودة الى لبنان فان سوريا لا تنظر الى لبنان الا كونه جزءا من استراتيجيتها الاقليمية في مواجهة اسرائيل لذلك نجدها تقف دائما الى جانب اي فريق ينتهج المقاومة والتصدي والمواجهة وقلب الطاولة على التفاوض ولو ادى ذلك الا انقسام لبنان والى التباعد بين ابناء الشعب والى الاطاحة بالسيادة والاستقلال اللبنانيين. واليوم تعتبر سوريا ان المحكمة الدولية الخاصة بلبنان استكمالا لاتفاق 17 ايار، مع ان 17 ايار كان محاولة ديبلوماسية لسحب اسرائيل من لبنان بغياب البدائل غير العبثية انذاك (كاستخدام القوة في ظل تفوق اسرائيل انذاك عسكريا وميدانيا) مع المفارقة التاريخية والسياسية الى ان مؤتمري جنيف ولوزان عامي 1983 و 1984 كانا بمثابة مسعى سوري – سعودي لانقاذ الوضع اللبناني من الانهيار – في ظل اختلاف بين البلدين الراعيين في النظرة الى الوضع اللبناني انذاك (كانت السعودية ميالة انذاك الى تعديلات في اتفاقية 17 ايار بينما سوريا كانت تريد الغاء الاتفاقية). وهاهما اليوم البلدان الراعيان لمسعى توفيقي بين اللبنانيين لحل اخطر ازمة بينهما منذ ازمة اتفاقية 17 ايار ليسا متفقين على نفس النظرة او القراءة للمحكمة الدولية والقرار الاتهامي العتيد – ما يجعل المسعى لا يزال يدور في حلقة المشاورات وتبادل الافكار ليس الا خلافا لما يشيعه اعلام وسياسيو "8 اذار" في اطار حربهم النفسية على خصومهم السياسيين في الوطن.

6- انطلاقا من مجمل هذه النظرة، لا نرى كيف يمكن للمسعى السوري السعودي الحالي ان يصل الى نتيجة وسوريا لن تقبل باقل مما يطالب به "حزب الله" من الغاء للمحكمة وتراجع عن قرار اتهامي قبل صدوره – بخاصة ان سوريا نفسها ليست مرتاحة من هذه المحكمة وقد تأرجحت مواقفها اخيرا وتناقضت الى حد ما، لكن سرعان ما عادت بثينة شعبان لتؤكد اصطفاف سوريا الى جانب نظرة "حزب الله" وحلفائها في لبنان في معركة اسقاطهم المحكمة والقرار الاتهامي.

7- في المقابل لا يستطيع لبنان – حكما وشعبا وقوى سيادية – ان يمضي في مسيرة عزلة لبنان وضرب مصداقيته الدولية ودعمه المحكمة الدولية والبحث عن الحقيقة كما يريد "حزب الله" وسوريا من ورائه – فلبنان وقوى "14 اذار" تتطلع الى التكامل مع الشرعية الدولية والى دور لبنان الرائد في المجموعة الدولية وفي سيادة القانون الدولي كما دولة القانون في الداخل – ومرة جديدة يبرز التناقض الكبير بين منطق من يسخر لبنان لخدمة اهداف قومية خارجية وبين من يسخر علاقاته من اجل خدمة قيام الدولة والعدالة ودولة القانون السيدة الحرة والمستقلة …

فهل يقع لبنان مجددا في براثم سنة التكرار في التاريخ … على حد قول نيتشه؟ ام ان التصلب والتشنج والرفضية الفطرية لدى سوريا وقوى "8 اذار" و"حزب الله" في طليعتهم دليل سياسة ضعف كما قالها الجنرال ديغول يوما لتشرشل الذي نهره لمواقفه السلبية الدائمة من سياسات بريطانيا العظمى …

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل