#adsense

نموذج ديمقراطي فرنسي برسم كل لبنان

حجم الخط

نموذج ديمقراطي فرنسي برسم "كل لبنان"!

على طريقة المثل الفرنسي المعروف: "أن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي أبداً"، ما زال أمام لبنان العهد الجديد والحكومة العتيدة، فرصة تعويض ما فاتهم من معانٍ ونتائج زيارة الرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي السريعة الى بيروت·

لم يتمكن "الوطن المعذب"، كما وصفه ساركوزي، من توظيف الزيارة التاريخية للرئيس الفرنسي على المستوى المطلوب لسببين رئيسيين: الأول عدم وجود حكومة فاعلة الى جانب الرئيس الجديد تساعد على إطلاق العهد الجديد بالزخم المنشود· والثاني استمرار حالة الأمن المضطرب في بيروت، وعلى بعد أمتار قليلة من قصر الصنوبر، حيث منطقة الطريق الجديدة ومحيطها تعيش حالة غليان بسبب التجاوزات المستمرة، والتي أدت الى تعطيل الاستشارات الجارية لتشكيل الحكومة العتيدة·

ويبقى من حسن حظ اللبنانيين، أن الرئيس الفرنسي حرص في زيارته ذات المعاني السياسية الكبيرة، على تجاوز الوضع السياسي والأمني غير المستقر في البلد، وعمل على التركيز على إيصال رسالة الدعم القوية للشرعية اللبنانية، ولرئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، وأيضـــاً لرئيس الحكومة فؤاد السنيورة، الذي خصّه بلفتة تقدير خاصة، حملت أكثر من رسالة الى الداخل والى الخارج على السواء·

ورسالة الدعم الفرنسية لم تكن مجرد صياغة انشائية لمواقف عامة وغامضة، بقدر ما كانت هذه المرة، مجموعة خطوات متماسكة، وذات توجهات واضحة وحاسمة، تؤكد مدى الإلتزام الفرنسي خاصة، والأوروبي عامة، بالمساعدة على كل ما يساعد في إخراج وطن الفرانكوفونية الاول في المنطقة، من أزمته السياسية المتكررة ومن دوامة المشاكل الاقتصادية والمالية التي تثقل أوزارها على مديونيته المتزايدة يوماً بعد يوم، نتيجة سنوات الاضطراب وعدم الاستقرار التي أعقبت اغتيال الرئيس رفيق الحريري·

ولكن سيد الإليزيه كان صريحاً في خطابه الى اللبنانيين، مسؤولين وسياسيين وحزبيين، عندما اعتبر الوفاق الداخلي وعودة الأمن والاستقرار هما القاعدتين الأساسيتين لفتح أبواب التعاون والمساعدة والدعم لإعادة بناء لبنان الدولة والاقتصاد، ولاستعادة الدور المميز والازدهار·

ولم يتردد الرئيس الفرنسي في رفع "الجزرة" الفرنسية عالياً أمام اللبنانيين، عندما تكلم عن خطط لتقوية المدارس الفرنسية العاملة في لبنان ودعمها، وفي إرسال وفد اقتصادي كبير برئاسة رئيس الحكومة الفرنسية الى بيروت، للبحث في تفاصيل التعاون والدعم الاقتصادي المطلوب، فضلاً عن العمل على تنفيذ ما تبقى من التزامات باريس – 3، والبحث في الحاجات العسكرية الملحة، لتقوية قدرة الجيش والقوى الأمنية·

ويبدو أن الرئيس ساركوزي حرص أن يقرن كلامه الى اللبنانيين بنماذج عملية، فاصطحب معه الى لبنان ممثلي كل الاطياف السياسية الفرنسية في خطوة نادرة وغير مسبوقة في زيارات الرؤساء الفرنسيين الى بلدان خارج القارة الأوروبية، وكأنه أراد أن يقول للبنانيين اعتمدوا هذا النموذج الديمقراطي الفرنسي الذي يجمع بين التعددية والتنوع، ويحتكم الى صندوقة الاقتراع، وليس للسلاح في الشارع، لحسم التنافسات الانتخابية والخلافات السياسية·

ولم تكن مجرد صدفة أن يحرص الرئيس ميشال سليمان على دعوة أفرقاء طاولة الحوار في الموالاة والمعارضة الى غداء قصر بعبدا، بوجود رؤساء سابقين للجمهورية والحكومة ومجلس النواب، ليؤكد في خطوته الأولى على مبدأ المشاركة بين الجميع، وان الرئاسة الأولى في عهده ستبقى فوق مستوى الخلافات السياسية المحلية·

والحقيقة أن اللبنانيين الذين فرحوا بمجيء "كل فرنسا" بتلاوينها السياسية المختلفة من أقصى اليمين الى أقصى اليسار، مع الرئيس ساركوزي، ما زالوا يراهنون على رؤية "كل لبنان"· بكل إطيافه الطائفية والسياسية والمناطقية في وقفة واحدة مع الشرعية ممثلة برئيس الجمهورية وحكومة الوحدة الوطنية، فهل تتحقق أمنية اللبنانيين قريباً؟

الواقع أن ثمة عوامل وتدخلات خارجية تحول دون تحقيق أمنية الأكثرية الساحقة من اللبنانيين في الحفاظ على الوحدة الوطنية واستعادة الأمن والاستقرار والازدهار للوطن المعذب·

وما تشهده البلاد حالياً من تعثر في تشكيل حكومة الوحدة، والمضي قدماً في تنفيذ بنود اتفاق الدوحة، يعبّر عن حجم التدخلات الخارجية في الوضع اللبناني، فضلاً عن أن اهتزاز حبل الأمن المضطرب في بيروت بالذات، يجسد عوامل العبث الخارجي في الوضع الأمني، واستغلال التناقضات الطائفية والمذهبية، والتلاعب، بأوتار الخلافات السياسية لزعزعة الأمن والاستقرار، وتهديد السلم الأهلي، انطلاقاً من الاحتكاكات المتكررة في شوارع سيدة العواصم بيروت·

ولعل الوقفة التي اتخذها الزعيم الشاب سعد الحريري، انطلاقاً من مسؤوليته الوطنية والسياسية في بيروت، بتعليق الاستشارات الجارية لتشكيل الحكومة الى حين استتباب الوضع الأمني في العاصمة، ووقف التجاوزات والممارسات الشاذة، التي تهدد بتحريك النار المستترة تحت الرماد، كانت بمثابة دق ناقوس الخطر من مغبّة التغاضي عن تداعيات الحالة الأمنية المتدهورة في العاصمة، والتي أصبحت تنذر باندلاع نيران الاحتكاكات إلى أكثر من منطقة في ضواحي العاصمة، الى مناطق اخرى في المحافظات، وبالتالي العودة الى ما قبل اتفاق الدوحة، وإعادة تشريع الابواب امام الفتنة الانتحارية المدمرة·

لقد طرحت التجاوزات والتعديات التي تحصل في بعض شوارع العاصمة علامات استفهام محيّرة أمام ابناء العاصمة الذين لم يجدوا، حتى الآن على الأقل، مبرراً واحداً لتقاعس القوى الأمنية عن القيام بواجباتها الأساسية في تأمين الأمن للمواطنين، وحماية عائلاتهم وممتلكاتهم ضد ممارسات التفلت والتسيّب الذي أدى الى مغادرة الكثير من العائلات منازلهم والابتعاد عن الأحياء التي أمضوا فيها حياتهم مع جيرانهم، وذلك حفاظاً على سلامة أولادهم، وصوناً لكراماتهم، ولا بد من الاعتراف هنا، بأن عودة القوى الأمنية الى ممارسة مهامها البديهية لفرض الأمن ومنع التجاوزات والتعديات، من أي طرف أتت، هذه العودة وحدها لا تكفي لمعالجة الجراح العميقة التي خلفتها احداث اجتياح بيروت، التي تتطلب من كل القيادات الواعية والمستنيرة، الإسراع في التحرك لتطويق مشاعر النفور والغضب التي تسيطر على أحياء العاصمة، والحد من الممارسات التي تزرع الحقد والكراهية بين أبناء الشارع الواحد·

وإذا كانت العودة عن الخطأ فضيلة، فإن الاعتراف بالخطأ والاعتذار عن الخطأ يبقى بمنزلة فضيلتين وأكثر، لأنه لا بد من تنقية القلوب وصفاء النفوس لنتمكن من فتح صفحة جديدة ترمم التآخي والوئام بأسرع ما يمكن، دون الانتصار ثلاثين سنة أخرى حتى تتوفر الشجاعة عند من يعنيهم للاعتذار عن كل الممارسات الخاطئة تجاه اخوانهم في الدين وفي الوطن، على نحو ما فعل مؤخراً بعض أطراف الحروب العبثية التي سادت منذ أواسط السبعينات حتى أواخر الثمانينات·

"كل فرنسا" جاءت الى لبنان·· فهل اطمأنت "الأم الحنون" الى وجود كل لبنان واحداً ومتماسكاً·

المصدر:
اللواء

خبر عاجل