#dfp #adsense

الدور المسيحي ركيزة المصير اللبناني

حجم الخط

الدور المسيحي ركيزة المصير اللبناني

ارسى اتفاق الدوحة اطارا للتوافق الداخلي اللبناني ، كما عكس هذا الاتفاق بدايات للتخفيف من حدة توتر العلاقات العربية والاقليمية في المنطقة ، وكان انتخاب رئيس الجمهورية الخطوة الاهم التي عنونت لاستعادة مؤسسات الدولة اللبنانية لمكانتها ودورها.

واتفاق الدولة الذي هو حصيلة المبادرة العربية الجماعية حمل في طياته اشارات ضمنية لتصحيح المعادلة اللبنانية والعودة للجذور والاسس وذلك عبر عودة الروح لمؤسسة رئاسة الجمهورية وتمكينها من استرجاع صلاحيات ولو محدودة ومنحها دورا مؤثرا في تكريس التوازن الداخلي اللبناني والاقرار بان المسيحيين عنصر التوازن الداخلي الاهم في المعادلة اللبنانية ، بل هم ايضا عنصر توازن وجسر تواصل وتفاهم في علاقة العرب والمسلمين في الشرق الاوسط مع المسيحيين في الغرب ، وهو ما عبرت عنه فرنسا عبر زيارة ساركوزي واركان حكمها جميعا ليكونوا اول من يبارك عودة مؤسسة رئاسة الجمهورية وما يترتب على ذلك من ازالة قلق ومخاوف القيادات المسيحية في لبنان والقيادات المسيحية في العالم الى حد ان البعض يعتبر انتخاب رئيس الجمهورية وارساء التوافق ولادة جديدة للبنان.

وان كان انتخاب رئيس جمهورية يعطي الطمأنينة للمسيحيين فانه لا بد من الاعتراف بان تداعيات الازمة في السنوات الاخيرة قد خلقت شروخا وتباينات في الصف المسيحي واصبح لا بد من الاستفادة من الاجواء الايجابية الداخلية والخارجية لتوافق مسيحي ليكون ركيزة للتوازن والتقدم اللبناني بعد الاختلال والجمود الذي طبع الحالة اللبنانية وتحديدا في الثلاث سنوات الاخيرة ، وما نتمناه هو ان يتجاوز لبنان محنته ، وعلى هامش ذلك لا بد من تفهم قلق بعض المرجعيات والقيادات المسيحية ومخاوفها من فرقة المسيحيين وفرقة الاخرين في لبنان ، والحق ان حديث الفرقة والتوحيد ، يأتي في مناخات اقليمية ودولية مشحونة بالكثير من امكانات التفكيك والتشظي العرقي والديني والمذهبي ، واذا كان لبنان من اكثر مناطق الشرق الاوسط العربي تعقيدا ، على مستوى الجغرافيا البشرية والدينية ، فهو اوضحها في التعبير عن هذه الحالة سياسيا ، وهي حالة عربية بامتياز ، جرى كتمها ، سياسيا وثقافيا ، في مساحات العرب الاخرى ، وعبر عنها اللبنانيون بصيغة سياسية كاشفة ، اجلت دخولهم الكامل الى الوطن ، فعبروا اليه عبر طوائفهم السياسية على مراحل ، وفي كل مرحلة كانوا يدفعون ثمنا باهظا ، مقابل خطوة واحدة نحو الوطن. ولا يعني هذا ، ان العرب الآخرين ذهبوا الى اوطانهم بكامل مواطنتهم.

لم يتوقف العرب ، بشكل كاف ، عند مشكلة الخوف والقلق الطاغية على تكوين لبنان الصغير والكبير منذ تأسيسه ، ولم تتوقف الاطراف اللبنانية ، او العربية الفاعلة فيه ، كما ينبغي عند هذه الحالة ، وخصوصا الاطراف ، التي وسمت نفسها عبر تاريخ لبنان الطويل ، بالوطنية والقومية واليسارية والاسلامية.

صحيح ، ان دعوات تقسيم لبنان وتفتيته عاشها اللبنانيون ، بكل قسوتها ، وفشلت لسبب واحد فقط ، ان الظروف الاقليمية لم تكن تسمح بذلك ، ومن هنا فان المخاوف من هذه الظروف ، تعيد الخوف الى اوله وجذوره ، لا على المسيحيين فحسب ، بل على لبنان كله ، فمخاوف معظم المسيحيين في لبنان تعود الى العوامل اللاعقلانية والتقسيمية ، التي انفلتت بعد ان تراخى التماسك القومي في كامل المنطقة العربية.

استشعار الخوف ، في الاصل ، يأتي من احساس الفرد بانتمائه الى اقلية ، وهي في لبنان ليست اقلية او اكثرية عددية ، بل تتداخل مع الجانب الديني ، لتخرج بانتماء الاقلية جغرافيا خارج حدود لبنان ، سواء شرقا «نحو العرب والمسلمين» او غربا «نحو اوروبا وامريكا».

الاحساس بالانتماء الى اقلية ، يعني تغليب الحماية الذاتية من الاخر ، على الشعور بضرورة تلاحم المصير مع الآخر ، او مع ما يسمى الاكثرية ، وبسيطرة هذا الشعور ، يحاصر مفهوم الانتماء حتى الاختناق ، وذلك عندما تصبح المواطنة الحقة تعني بمفهومها العضوي تذويبا للذات ، لاغية في طريقها ما نتصوره تميزا.
يغذي هذا الشعور ويستتبعه ، بنفس الوقت ، تقوقع ثقافي وفكري ، وذلك لان مستلزمات الدفاع عن النفس للأقلية ، تتطلب تكريس حالة الاغتراب ، وهو ما يؤدي الى الدخول في دوامة التأرجح بين الاستشراس والتملق بحسب مقتضيات الظروف.

وباستمرار هذا الشعور والتقوقع تصبح الاقلية ، كنتيجة منطقية ، محكومة بعامل الخوف اكثر ما هي محكومة بعوامل العقل والتطور. وينتج عن هذا شعور عام عند الاقلية وكأنها محكومة بحتمية الابادة ، سواء بالمعنى الجسدي الكامل ، او بمعنى غامض يقترب منه ، وهو يضع ويخرج الاقلية من دائرة اي حوار ، اذ يفقدها رغبة الحوار والقدرة عليه ، واكثر من ذلك ، فان مجرد اقتراح الحوار على الاقلية يتحول عندها وكأنه السياج الحامي لوجودها.

لم ينتج النظام السياسي العربي صيغة سياسية تستوعب الحالة اللبنانية بكل تعقيداتها ، فظل الدستور اللبناني ، والميثاق الوطني ، وما طرأ عليه من تعديلات وتوافقات لاحقة ، ما يحكم صيغة العيش والحكم ، في بلد لا يستطيع الاندماج في محيط يتراجع ، ولا الخلاص بالانفلات من هذا المحيط.

فالميثاق ، الذي جاء لاصلاح الدستور الذي فرض زمن الانتداب ، اكتفى بالتأكيد على صيغة استرضائية: «بان لبنان ذو وجه عربي» وهو ما قبلت به الجامعة العربية لاحقا عند تشكيلها ، ثم جرى تعديل هذا التوافق ، استرضائيا ايضا ، في ميثاق الطائف بالاشارة الى ان «لبنان عربي الهوية والانتماء».

اللبنانيون بطوائفهم لا يختلفون عن روح الميثاق ، ولكنهم اختلفوا بضراوة اساسية علي صيغ تطبيقية.. فروح الميثاق ، غير المكتوب ، تستند الى ثلاثة مبادىء اساسية ، الاول: ان يتخلى المسيحيون اللبنانيون عن رغبتهم في طلب الحماية «الاجنبية» والخروج من العزلة التي يميلون اليها ، وان يدخلوا ضمن المجموعة العربية. وبالمقابل يتخلى المسلمون عن السعي لضم لبنان او اي جزء منه الى سوريا او الى اية وحدة عربية اكبر ، ولا يتم ضمان ذلك سوى باعتراف سوريا وباقي الدول العربية الاخرى بالكيان اللبناني بحدوده الموجودة ، والثاني: ان يقتصر اقتراب المسيحيين من الفكرة العربية على الاعتراف «بوجه لبنان العربي» ، وان تكون مساهمة لبنان عربيا ضمن نطاق استقلاله التام وسيادته الوطنية الكاملة ، بحيث لا يتطلب من لبنان السير في سياسة عربية تتعارض مع مصالحه ووحدته الوطنية وبالمقابل يرضى المسلمون بذلك كما رضيت به الدول العربية ، والمبدأ الثالث: اتفاق الطرفين على توزيع مناصب الدولة الرئيسية توزيعا طائفيا عادلا ، اضافة الى تقاسم الوظائف الاساسية في الدولة حسب الاهمية بالنسبة لكل طائفة ، حيث تم الاتفاق حينها ، على ان تكون نسبة المسيحيين الى المسلمين هي «6:5» وهي نفس النسبة التي كان معمولا بها زمن الانتداب ، ولم تعدل الى التساوي بين الطرفين الا في اتفاق الطائف ، وهو الاتفاق ، الذي قبلت به بعض الاطراف ، لا كتوافق بقدر ما هو خلاص من حرب اهلية مدمرة ، وخروج من لحظة تاريخية ، اقليمية ودولية ، ظالمة ومجحفة.

النجاح المفرح بانتخاب رئيس الجمهورية
تعيد اللبنانيين الى مجد الاستقلال الاول. فبرغم وجود الانتداب الفرنسي وقواته في البلاد ، وبرغم اعتقال رئيس الجمهورية المنتخب ورئيس حكومته ووزرائه في قلعة «راشيا» ، فقد تمكن ستة من الوزراء من الهرب الى قرية «بشامون» الجنوبية ، ليرسموا بقلم رصاص احمر ، اول تعديل استقلالي عن فرنسا او غيرها ، على دستور الانتداب في مادته الخامسة: «العلم اللبناني احمر «،»فأبيض «،» فأحمر «،» ، اقسام افقية ، تتوسط الارزة القسم الابيض بلون اخضر ، اما حجم القسم الابيض فيساوي حجم القسمين الاحمرين معا ، وتلامس قاعدته القسم الاحمر السفلي «،» ، ويكون حجم الارزة موازيا لثلث حجم القسم الابيض».
ترى هل تعيد المخاوف اللبنانيين والعرب واصدقاؤهم الى حكمة تدرج الالوان في علم لبنان: «احمر فأبيض فأحمر» فيخطو لبنان وأهله خطوة واسعة نحو الوطن..؟؟

المصدر:
الدستور الأردنية

خبر عاجل