رحل كبير من ثوار ثورة الارز، عميد قرنة شهوان المطران يوسف بشارة. كأنه أخذ معه كل ما كان تبقى من زمن البطريرك الكبير، مار نصرالله بطرس صفير. اخذ معه ما كان تبقى من العنفوان وحضور تلك الشخصيات التاريخية النادرة، التي يبدو انها لن تتكرر في زمن لبناني بائس بائس بامتياز.
الزمن البائس اياه الذي تُوج بوباء كورونا، جعل وداع الرجل الكبير، مختصرا. ولو كان عكس ذلك، لزحفت ثوار ثورة الارز وثوار اليوم المنادين بتحرير لبنان، وملاوا الشوارع والكنيسة من حضورهم، يوسف بشارة ليس مطرانا عابرا في تاريخ البطريركية المارونية، حسبه اولا انه صديق البطرك صفير، وحسبه ايضا انه موفده لتأسيس قرنة شهوان المطالبة بجلاء الاحتلال السوري عن لبنان، وحسبه اولا واخيرا انه لبناني صميم يرفض الذل على حساب الوطن.
كان لبنانيون يتوزعون الكنيسة في وداع مطران ثورة الارز، بينما كانت في الوقت عينه سلطة وقحة تودع آخر ما تبقى من العنفوان والكرامة اللبنانية. جلس الناس متأسفين على رحيل رجل من رجالات الاستقلال، وجلست السلطة الى كراسيها الدامية بتعب الناس وعرق جبينهم، تفاوض على جنى اعمارهم، تقترع على ثيابهم الرثة، تتناتش في ما بينها تعيينات ومناصب بعيدا عن اي آلية قانونية، وتمعن في قتل العدالة واستبعاد المحاسبة، وكان الدولار تجاوز الحدود المقبولة، 5600 ليرة لبنانية. وقف مندوب رئيس البلاد في الجنازة، النائب الياس ابو صعب، يلقي كلمته في راحل الثورة الكبير، وقف رجل بغضب القهر والحزن اللامحدود على رحيل وطن وقال له مقاطعا خطابه “نحنا مش بحاجة لمواساتكن، خلي الكل يعرف انو شهدا ثورة الارز ما ماتوا ولا بيموتوا، كل شخص حر شريف بلبنان مش رح يموت”.
لم تكن تلك صرخة ذاك المواطن المقهور الغاضب خلال جنازة، بل كانت صرخة وطن في جنازته على يد سلطة الفساد والاحتلال.
اين لبنان؟ اين لبنان يا عالم؟! اين الوطن الصغير الكبير الرسالة؟! وطني محتل مقتول مذبوح من الوريد الى الوريد، مطعون في قلبه وعنقه ومفاصله. في وطني تجلس السلطة العمياء الجشعة الى مغانمها وتقتسم لبنان على جثث ابنائه. في وطني دويلة تحتل الدولة، توزع الادوار على ازلامها وباسم القانون والشرعية تعلن اجهازها على الوطن.
جلست السلطة الى كراسيها تتناتش مغانمها العفنة، في وقت كانت خيرات الارض تذهب قوافل قوافل الى سوريا، علنا وليس تهريبا وعلى عينك يا وطن، ولا من يمنعها ويتصدى لها، والمعابر المشرّعة على نهب لبنان، لا زالت مشرّعة تحديا واحتلالا من قوى الامر الواقع، قوى الميليشيا، رغم غضب الناس، ورغم صراخ القوات اللبنانية تحديدا ولآلاف المرات، بان اقفلوا المعابر غير الشرعية، اوقفوا هدر الجمارك والمرفأ، اوقفوا فساد الكهرباء، ولكن لا شيء! لا شيء يتحقق. سلطة قررت ان تصاب بالطرش والعمى لتبقى في جشعها وعدم شبعها مع محسوبييها وعمرها ما ترجع بلاد!!
جلست السلطة… سلطة؟ أهي كذلك فعلا؟ هل من ينهب بلاده هيك مباشرة على الهواء من دون تردد او خجل، ولو تبوأ اعلى المراكز، أتجوز بعد تسميته “السلطة”؟!… لنبقى في تهذيب العبارات واللبيب من الاشارة يفهم، لكن والدولار في نهاية المقال كان لامس الستة آلاف ليرة، جلس ازلام الاحتلال الى اوكارهم يحصون سرقاتهم، بينما وقف لبناني الى صراخه “لا الثورة حتى الان نجحت بإقصائهم ولا صراخنا يعنيهم، بس نحنا من هون مش رح نفل، شو عنا بعد نخسرو غير حياتنا؟ بدن ارواحنا؟ ولك فشروا. رح نضل نقاوم والشارع بيتنا وربنا مش رح يتركنا لان نحنا اصحاب الحق والحق ما بيموت والحكيم بيقول ما بيصح الا الصحيح”… انتهى المقال، الدولار 6200 وكسور، انكسر القلم، اذ ما عاد يجد ما يصف به تلك السلطة المحتلة.
