#adsense

قلق إيران وتوتر “حزب الله” سياسياً وامنياً

حجم الخط

إشارات الأسد إلى تموضع "مختلف" واحتدام الأزمة الإيرانية ـ الإقليمية والدولية
وعشية عملية إسرائيلية على غزّة
قلق إيران وتوتر "حزب الله" سياسياً وامنياً

في الآونة الأخيرة، كرّر رئيس النظام السوري بشار الأسد إعطاء إشارات سياسية ذات دلالة.
ركّز في مواقف متتابعة على المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية. وإذ حدّدها على انها غير مباشرة في هذه المرحلة وبهدف "إستكشاف" إمكان التوصل إلى إتفاق، طالب برعاية أميركية للمفاوضات عندما تنضج ظروف حصولها في صيغة مباشرة. وذهب في أحد تصريحاته إلى إعتبار انّ التفاوض السوري ـ الإسرائيلي يمهّد لمفاوضات لبنانية ـ إسرائيلية "موحياً" بأن للمفاوضات في "شقّيها" السوري واللبناني قواسم مشتركة.

وأكد أن العلاقة بين النظام السوري و"حماس" ليست "على حساب" علاقته بالسلطة الوطنية الفلسطينية برئاسة محمود عباس.
وشدّد على العلاقتَين السورية ـ السعودية والسورية ـ المصرية، ملاحظاً انّ الموضوع اللبناني الذي كان سبباً معلناً للتأزم في العلاقتَين لم يعد قائماً بعد أن "حُلّت" الأزمة في لبنان بـ"إتفاق الدوحة".

ونفى أخباراً نشرها إعلامٌ موالٍ وتابع للنظام عن محاولات عربية جرت لقلبه، وعن إتهامات لدول عربية بإغتيال المسؤول في "حزب الله" عماد مغنية في دمشق.

النظام السوري يسعى إلى "مصالحتَين"

في قراءةٍ لهذه الإشارات السياسية جميعاً، وجد كثيرون أنّ ثمّة سعياً حثيثاً من جانب النظام السوري إلى "إستدراج" مصالحتين. الأولى سورية ـ عربية. والثانية سورية ـ أميركية ـ دولية.
بيد أن كثيرين قرأوا تلك الإشارات، إضافة إلى معناها السالف، على أنها تعكسُ رغبةً لدى نظام الأسد في تأكيد نوع من "التمايز" مع إيران.

"تمايز" عن إيران عشيّة تطوّرات محتملة

مُعطيان رئيسيّان يغذيّان هذه القراءة.
الأول هو انّ العلاقات الدولية مع النظام السوري كانت ولا تزال مشروطةً بـ"الفكّ" بين دمشق وطهران، وأنّ إستئناف العلاقات العربية معه، أي عودة سوريا إلى "الحظيرة" العربية، مشروطٌ هو أيضاً بهذا "الفكّ".

أمّا المعطى الثاني فيتعلّق بـ"اللحظة الإقليمية" الراهنة. فالإشارات السورية على لسان الأسد تأتي مباشرةً بعد "القضاء" على الحليف العراقي الرئيسي لإيران أي "جيش المهدي" بقيادة مقتدى الصدر. وتأتي بالتزامن مع إحتدام الأزمة الإيرانية ـ الأميركية، ومع تشديد إسرائيل على ضرورة توجيه ضربة إلى المفاعلات الإيرانية ومطالبتها أميركا بتمكينها من القيام بهذه الضربة إذا لم تكن واشنطن مستعدّة لها الآن. وتأتي ـ أي الإشارات السورية ـ في وقت تعدّ إسرائيل العدّة لشنّ عملية عسكرية على قطاع غزّة الواقع تحت سيطرة حركة "حماس".

إعلان "نوابا حياد"

بكلام آخر، يقرأ عديدون في الإشارات السورية الآنفة إعلان نوايا سورياً بـ"تحييد" سوريا عن أي مواجهة أميركية أو إسرائيلية أو أميركية ـ إسرائيلية مع إيران. وأصحاب هذه القراءة إذ يعتبرون أنّ نظام الأسد يعلنُ نوايا بـ"الحياد" أي انه لم ينتقل حتى الآن إلى "الفك الحاسم"، فانّهم يعتبرون في الوقت نفسه انّ النظام السوري لا يمكنُ أن يكون في صدد "مناورة" على هذا الصعيد، لأنّه يجازف في حال نشوب مواجهة أو مواجهات مع إيران ـ مباشرةً أو بـ"الواسطة" ـ بتعريض نفسه لـ"ضربات"، وهو يبحث أصلاً عن بقائه.

"إتفاق الدوحة": عودة دمشق إلى الحظيرة العربية؟

من هنا، وفي تحديد لطبيعة "إتفاق الدوحة" على التقاطعات الإقليمية والدولية، يرى "القارئون" أنّ هذا الإتفاق ليس إتفاقاً عاكساً لـ"عودة" النظام السوري إلى "الحظيرة" العربية، بل هو يعكسُ تمهيداً أو تطبيعاً لعودة سورية محتملة إلى هذه الحظيرة. ولذلك، فإنّ "إتفاق الدوحة" أكثر من هدنةٍ بهذا المعنى.
ومع أنّ هذه القراءة ـ كأي قراءة تحليلية غير معلوماتية ـ لا يمكن أن تكون "نهائية"، بمعنى أنّها على محكّ التطوّرات، فانّ عدداً من الإستنتاجات يُمكن أن يُبنى بصورة غير نهائية أيضاً.

إيران و"حزب الله": الموافقة "الاضطرارية"

الإستنتاج الأول على هذا الصعيد، هو انّ الموافقة الإيرانية ـ المباشرة وعبر "حزب الله" ـ على "إتفاق الدوحة" كانت بمثابة موافقة "إضطرارية". فإيران التي لم تكن تتوقّع على ما يبدو ردّ الفعل العربيّ على إنقلاب باسمها في بيروت، وأن يكون ثمّة تموضع سوري "مختلف"، "إضطرّت" الى الموافقة على "إتفاق الدوحة"، أو هي بنتيجة ردّ الفعل العربي والتموضع السوري "المختلف" إضطرّت الى "الاكتفاء" بـ"القضمة" التي حصلت وبـ"استيعابها".

الإستنتاج الثاني، هو أن التموضع السوري "المختلف" يثير قلق إيران و"حزب الله". وهذا الاستنتاج مُتأتٍّ من أن إيران الساعية الى تأكيد "موقعها" في لبنان لحسابات إقليمية ترى في التموضع السوري "المختلف" عاملاً معاكساً في هذه اللحظة الإقليمية ـ الدولية "الحسّاسة".

"حزب الله": النبرة العالية والتوتّر الميداني

والاستنتاج الثالث يتعلٍّق بما يعبّر عنه "حزب الله". فقبلَ أيام قليلة، قال أحد قياديي الحزب أن "إتفاق الدوحة تسوية وليس حلاً نهائياً".
في المصطلحات السياسية، التسوية هي حلّ. التسوية ليست الحلّ الذي يرغب فيه طرفٌ من الأطراف "لوحده" لكنها الحلّ الذي ينتجه اتفاق مجموع الأطراف في ظلّ توازنات محدّدة. فأن يضع "حزب الله" التسوية في مقابل الحلّ، فذلك معناه أنه يأمل في تحوّل المعادلات أو يعمل على تبديل المعطيات أو يسعى الى "استرهان" الحلّ.

وفي هذا الإطار، ليس صدفةً أن يواكب "حزب الله" تطبيق "إتفاق الدوحة" بخطاب ذي نبرة عالية. وليس صدفةً أن يواكبه بتوتّر سياسي وبتوتير "ميداني". أي أنه ليس صدفةً أن يحيط "حزب الله" مرحلة "ما بعد اتفاق الدوحة" بتوتّر سياسي وأمني. فلكأنّ هذا التوتّر يتعلق باحتمالات إقليمية ـ إيرانية ـ وشيكة، وبمحاولة استبقاء أمر واقع معيّن لمقتضيات إقليمية، أو أنه في صدد التعبير عن قلق ينتج عنه إنزعاج، فيقول بواسطة هذا التوتّر إن "القرار الإقليمي" في لبنان إيراني وليس لغير إيران بما في ذلك سوريا.

المراقبة

بطبيعة الحال، من المبكّر الحديث عن خارطة إقليمية "جديدة" أو "متحرّكة جذرياً". كما من المبكر الوصول الى خلاصات نهائية حاسمة. بيدَ أن ثمة تموضعات لا بد من مراقبتها. ولا يمكن تصوّر أن يكون ما يحصل في لبنان هذه الأيام معزولاً عن خطة إيرانية معيّنة حيال المعطيات والتطوّرات الإقليمية، وفي إطار "لعبة تجميع الأوراق". ومزيدٌ من المتابعة سيتيح بلورة الأفق.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل