لا أمن دائماً وثابتاً ما لم يعالج وضع السلاح خارج الشرعية
كيف تتأمّن حرية الانتخابات ونزاهتها مع المربعات الأمنية ؟
اذا كان عهد الرئيس فؤاد شهاب بدأ بالامن الذي كان قد تدهور من جراء حوادث 1958 فجعله ثابتا ودائما، وكان هذا الامن هاجس اللبنانيين في عهد الرئيس الياس سركيس بفعل الحروب الداخلية التي كان يؤمل ان تتوقف مع بداية عهده لكنها استمرت فجعلته يرفع شعار: "الامن قبل الرغيف" فان الامن يبقى الهاجس ايضا عند اللبنانيين في العهد الحالي، فكيف السبيل الى جعله ثابتا ودائما؟
مما لا شك فيه ان الوحدة الداخلية والوفاق الوطني الحقيقي والشامل يساعدان كثيرا على اتخاذ القرار السياسي الذي يحفظ الامن في البلاد حتى من دون حاجة الى استخدام القوة، لان هذا الوفاق هو الذي يشكل عصب الامن وقوة ديمومته حتى مع وجود السلاح في ايدي الناس كما في بعض الدول الراقية، اذ لا حاجة الى استخدامه في نزاعات داخلية، لانها نزاعات تنتفي اسبابها مع وجود وحدة داخلية ووفاق وطني، ولكن عندما تتصدع هذه الوحدة ويحل الشقاق مكان الوفاق، فان وجود هذا السلاح بين ايدي الناس يصبح هو الخطر الكبير على الامن، وتصبح مواجهته بسلاح الشرعية خطرا ايضا على وحدة الدولة والمؤسسات، وهذا ما جعل الرئيس ميشال سليمان يقول في حديث له قبل انتخابه رئيسا للجمهورية: "ان دور الجيش بني على ادارة وطنية جامعة، وعندما يتحيز معناه انه لم يعد جيشا لكل الوطن بل يصبح جيشا فئويا. والجيش مارس ويمارس دورا ايجابيا من خلال الحياد الايجابي عبر تدخله، وليس عبر الحياد السلبي من خلال بقائه في الثكن، بل بوجوده وسط الناس وتأكيده لجميع الاطراف ان قيادة الجيش متوازنة، وليست لطرف ضد آخر لا طائفيا ولا سياسيا، فكانت العبرة في بقاء الجيش فوق كل انقسام. فلو انه لم يمارس دوره وظل في ثكنه لكان انقسم فيها. لذلك كان وسيكون وسط الناس يمارس دوره الوطني بحياد تام ويقوم بواجبه، وهو تكليف من الناس قبل ان يكون من السلطة السياسية. فالشعب هو جزء من الجيش والجيش جزء من الشعب، وهو ما مكنه من القيام بواجبه في الجنوب، ومواجهة التظاهرات في الداخل والصدامات بين طرفي النزاع، فحافظ على وحدته وعلى وحدة البلد. وجاءت، للاسف" حوادث نهر البارد، والتي كان المقصود منها القضاء نهائيا على الدولة عبر ضرب الجيش وتدميره، لكن الجيش واجه التحدي الذي جر اليه وصمد وقاتل". وعن قدرة الجيش على مواجهة العدو الاسرائيلي قال: "ان هذه المواجهة لا تخيفني بل ان اكثر ما يخيف هي المؤثرات على وحدة الجيش وامكان اهتزازها في الداخل. وهذه الوحدة تتجلى بأنبل صورها في مواجهة العدو بحيث يكون الجيش كله وحدة متراصة بكل الطوائف والاطياف والاتجاهات. ففي الاتحاد قوة، ليس فقط في بناء وطن بل في حل مشاكلنا كلها، فلا يعود كل واحد يفكر بحصته، "كم سيربح بل بمسؤوليته وواجبه، فعندما نفكر كم سنعطي الوطن وبشكل متوازن نستفيد جميعا، ولكن عندما نناقش الحصص نخسر جميعا، فالمطلوب التخفيف من الشك المتبادل وعدم الثقة بين الموالاة والمعارضة والحد من الاتهامات المتبادلة بالعمالة. فمعالجة الامور تتم بأجواء من الثقة المتبادلة وعدم الاستسلام للمعادلات الاقليمية والدولية لانجاز الحل الكامل للازمة الداخلية".
الى ذلك فان موضوع السلاح خارج الشرعية اذا كان هو الذي يعرض الامن الداخلي للاهتزاز من وقت الى آخر، ويشغل الجيش عن القيام بدوره الاساسي في مواجهة العدو، وينهكه، فان السؤال المطروح في الاوساط الرسمية والسياسية والشعبية هو: كيف السبيل الى معالجة مشكلة هذا السلاح ليس بالاتفاق على "استراتيجية دفاعية" تؤمن حماية لبنان والدفاع عنه ضد اي عدوان يقع فقط عليه، بل الاتفاق اولا على كيف يمكن اجراء انتخابات نيابية مقبلة تكون حرة ونزيهة مع وجود هذا السلاح؟
هذا الموضوع المهم والدقيق هو الذي سيطرح عند الانتهاء من تشكيل الحكومة وعند عقد جلسة مجلس الوزراء بعد نيلها الثقة، وقد يكون مطلوبا تحديد موقف واضح من هذا السلاح في البيان الوزاري، وربما احتاج البحث فيه الى طاولة حوار تعقد في القصر الجمهوري برئاسة الرئيس سليمان اذ انه قبل البحث في استراتيجية دفاعية واستراتيجية التحرير، ينبغي البحث في كيفية تحرير ارادة الناخب وتأمين الدفاع عن حريته في التعبير عن رأيه في الانتخابات النيابية المقبلة بعيدا عن الضغوط السياسية والمعنوية، وعن وسائل الترهيب والترغيب اذ لا يعقل ان تكون ثمة فئة مسلحة تهيمن على جو الانتخابات وتمارس ضغوطها بشتى الاشكال والوسائل وفئة غير مسلحة يرهبها هذا الجو: وكيف يمكن تأمين حرية الانتخابات ونزاهتها في مناطق مقفلة في وجه مرشحين غير مرغوب فيهم وقد يكون ممنوعا عليهم تعيين مندوبين على اقلام الاقتراع فيها او ان هؤلاء المندوبين غير متوافرين لهؤلاء المرشحين، للتأكد من صحة الاقتراع وعدم تصويت الناخب اكثر من مرة، او حصول تلاعب وغش عند فرز الاصوات.
قد يكون من الصعب التوصل الى اتفاق على معالجة موضوع السلاح الموجود خارج الشرعية قبل موعد الانتخابات النيابية وجعله داخل الشرعية، ما لم تحصل تطورات اقليمية ودولية تغير صورة الوضع الراهن في لبنان والمنطقة وتجد حلا لهذا السلاح وقد لا يكون كافيا قطع الوعود بعدم ظهور هذا السلاح في كل المناطق منذ الاعلان عن بدء موعد الانتخابات افساحا في المجال امام المرشحين ليقوموا بجولاتهم الانتخابية وتنظيم المهرجانات والحملات الدعائية بحيث تصبح كل المناطق بما فيها المربعات الامنية مفتوحة لهم، وقوات السلطة منتشرة فيها من اجل اشاعة الامن والطمأنينة، لان هذه الوعود قد لا يحترمها بعض المسلحين، فتقع صدامات في بعض اقلام الاقتراع يسقط فيها قتلى وجرحى وقد تؤدي الى الغاء النتائج فيها.
لذلك، فان ثمة من يقترح تجنبا لاحتمال حصول انتخابات دامية او غير نزيهة، اما تأجيل موعد اجرائها ريثما تصبح الاجواء السياسية والامنية ملائمة، واما العمل على تأليف لوائح ائتلافية في الدوائر الانتخابية الحساسة، خصوصا اذا نجحت حكومة الوحدة الوطنية عند تشكيلها في توفير المناخات الصافية والاجواء السياسية الملائمة لتأليف مثل هذه اللوائح. فكما ان دقة المرحلة وخطورتها تفرض تشكيل حكومة وحدة وطنية، فان دقة الانتخابات النيابية المقبلة واهمية نتائجها، تفرض تشكيل لوائح ائتلافية حيث يخشى وقوع صدامات مسلحة وحوادث دامية قد لا تكون قوات السلطة في وضع القادر على منعها او قمعها.