.jpg)
تبدو المراجع الحكومية والسياسية والمالية والاقتصادية عاجزة، أمام التراجع المتسارع لليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي. فالمساعي والإجراءات والتعاميم النقدية المتخذة، والاتفاق الأخير المنعقد مع نقابة الصرافين للجم الدولار وإرجاعه إلى حدود 3500 ليرة لبنانية على الأقل، جميعها باءت بالفشل، ليبدو وكأن السوق السوداء تتربع سيّدة على عرش التحكم بسعر الدولار. لكن إلى أي مدى تعكس هذه السوق السعر الفعلي للدولار؟ وما هي العوامل التي تعطي هذا الانطباع لدى المواطنين ليتهافتوا على شرائه؟
يعتبر الخبير المالي والاقتصادي الدكتور غسان العيّاش، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أنه “من الخطأ القول إن سعر صرف الليرة اللبنانية المتداول حالياً بين عدد من المواطنين وعدد من الصرافين، هو سعر صرف الليرة الحقيقي تجاه الدولار”.
ويرى أن “حركة البيع والشراء الجارية حالياً لا تمثل السوق. فالطلب على العملات الأجنبية الذي نشهده حالياً هو جزء بسيط من الطلب أو الحاجة إلى الدولار، أما الجزء الأكبر من الطلب مثل طلبات تمويل الاستيراد، فهو محتجب حالياً لأن التجار ينتظرون استقرار الأوضاع والأسعار لكي يستأنفوا نشاطهم التجاري”.
ويضيف، “هذا من جهة الطلب، أما من ناحية عرض الدولار فهو غير متوفّر أيضاً، لأن حاملي العملة الأجنبية يتريثون في البيع أملاً بأسعار أعلى في ظل الهلع الراهن في السوق. وذلك يعني أن سعر الصرف الحالي يتشكّل من التقاء جزء بسيط من الطلب وجزء هامشي من العرض، بالتالي لا يُعتدّ به”.
ويشدد العيّاش، على أنه “لا يمكن أن تستقر الأمور ويظهر الخيط الأبيض من الخيط الأسود، إلا إذا عاد مصرف لبنان ليمسك بالتداول بطريقة نظامية وعبر العمليات مع المصارف. ولا يعني ذلك أن على مصرف لبنان أن يلبّي كل الطلب لتثبيت سعر الصرف، فهذه سياسة ساهمت في وقوع الكارثة، بل المقصود أن يتنحّى الصيارفة عن دورهم الحالي وتتمّ كل العمليات بين مصرف لبنان والمصارف والمتعاملين في السوق، بصرف النظر عن السعر الذي يتشكّل من العرض والطلب”.
وفي السياق، لا تستغرب مصادر مالية واقتصادية، عبر موقع “القوات”، “الانحدار المتواصل لليرة أمام الدولار، فالواقع الحكومي والسياسي في البلد لا يمكن إلا أن يعطي هذه النتيجة”، بحسب تعبيرها، معربة عن أسفها لـ”غياب أي نية، أو قدرة حقيقية في حال توفر النية لدى السلطة، على ولوج باب الإصلاحات الفعلية مرة لكل المرات”.
وتعتبر المصادر ذاتها، أن “الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، قد يكون الباب الوحيد المتاح في الوقت الحالي لضخ الدولارات في الاقتصاد اللبناني بشكل سريع لوقف الانهيار، بالإضافة إلى ترتيب علاقات لبنان المتدهورة مع أصدقائه وداعميه التاريخيين في العالم العربي والمجتمع الدولي، لا الهروب إلى طرح نظريات شعبوية لا تستقيم بأي منطق اقتصادي ومالي من مثيل الاتجاه شرقاً”.
وترى أن “الخشية حقيقية من انهيار أسرع لليرة، إذ إن وتيرة ارتفاع سعر الدولار في السوق السوداء، التي أصبحت بمثابة السوق الأساسية لسعر الصرف الحقيقي، في تزايد مستمر، وتجري من دون عوائق”.
وتشير إلى أن “الأسبوع الماضي افتتح الدولار، يوم الإثنين، عند حدود 4200 ل.ل كمعدل وسطي ليختم الأسبوع على نحو 5300 ل.ل. وفي حين افتتح هذا الأسبوع عند هذا المستوى، غير أنه في أقل من 24 ساعة لامس الدولار حدود الـ6000 ل.ل يوم أمس الثلاثاء، وتخطى هذا الرقم في بعض العمليات. واللافت أن المعروض من الدولار للبيع لا يوازي الطلب، إلى حد أن الحصول على الدولار، بغض النظر عن سعره، بات عملية شاقة ومعقدة حتى في السوق السوداء”.
وتعتبر المصادر الاقتصادية والمالية، أن “هذه الوتيرة الصاروخية لارتفاع الدولار تعكس في ما تعكس تسارع الانهيار نتيجة فقدان الثقة من قبل المواطنين بالسلطة عامة، وبحلول قريبة لأزمة الشح في السيولة نتيجة عدم دخول دولارات جديدة إلى البلد للاعتبارات السياسية وغياب الإصلاحات المطلوبة. وهذا ما دفع الناس إلى التهافت على شراء الدولار بأي سعر وتخزينه في المنازل، بهدف الحفاظ على قدرتهم الشرائية وحماية قيمة مدخراتهم ما أمكن”.
وتلفت إلى “المسودة التي أعدها وزير الاقتصاد راوول نعمة لتعديل آلية دعم البنزين والمازوت والخبز بهدف مكافحة التهريب والسوق السوداء، مقترحاً بدء التنفيذ في أول آب المقبل، وطالباً من وزراء المالية والطاقة والصناعة والزراعة إبداء آرائهم تمهيداً لعقد اجتماع مشترك الأسبوع المقبل لبحثها”.
وتعتبر أن “هذا الاقتراح يعني أن الحكومة لا تعوّل على دخول دولارات جديدة إلى البلد بالكميات المطلوبة في المدى المنظور، فقررت التركيز على المعالجات الداخلية التي يبقى القرار في شأنها بيدها. بالإضافة إلى أنه يعني في شكل ما أن استنزاف الاحتياطي الباقي في مصرف لبنان وصل إلى دائرة الخطر، ما بات يهدد الأمن الغذائي والمعيشي للبنانيين. بالتالي قد نكون أصبحنا أمام سعر من دون سقف للدولار، ما لم يتم في أسرع وقت، بل فوراً، تغيير النهج الحكومي والسلطوي عامة في التعامل مع الأزمة القائمة”.
