لا "تستغشموا" اللبنانيين
بعد نحو عشرة ايام على تكليف رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الرئيس فؤاد السنيورة تشكيل الحكومة الاولى في عهده، يبدو ان العقبة او بالأحرى العقدة التي لا تزال تعوق اصدار مراسيم التأليف، رغم حل الكثير من العقد التي تتعلق بالحقائب ونوعياتها وبشهوة الاستيزار التي ازدادت عند الجميع – يبدو انها "التيار الوطني الحر" او على الاقل هذا ما توحيه التصريحات العلنية لقادته ولجهات سياسية اخرى. فهو يصر على الحصول على خمس حقائب وزارية بينها واحدة سيادية. وذلك مطلب لا ينظر اليه رئيس الوزراء المكلف ولا فريق الغالبية النيابية، على تنوعه السياسي والطائفي، بكثير من الارتياح والترحيب.
فمن ناحية العدد يعتقد هؤلاء انه يطلب اكثر مما يحق له بحسب عدد اعضاء تكتله النيابي. ومن ناحية النوعية، اي ما بين وزارات خدماتية واخرى سيادية فضلا عن وزارات الدولة، لا يستطيع التيار الاصرار على حقيبة سيادية ما دام ينتمي الى فريق الاقلية او المعارضة كما صنّف في عهد الحكومة المستقيلة لأنه بذلك يضرب التوازن الذي اتفق عليه في الدوحة وخارجها بين الفريقين، اذ يصبح لدى فريق المعارضة اي 8 آذار حقيبتان سياديتان، اضافة الى الثلث المعطل في الحكومة، في حين يكون لدى الغالبية اي 14 آذار حقيبة سيادية واحدة. وهذا امر لا يتساهل فيه فريق الغالبية. ذلك ان على "التيار الوطني الحر" ان يقرر نهائيا التصنيف الذي يضعه لنفسه بحيث يمكن التعامل معه سياسياً سواء في موضوع الحكومة او في غيرها. فهو جزء من المعارضة وبهذه الصفة يمكن ان يتمثل بحقيبة سيادية وان يكن شاغلها ليس من صفوفه او من صفوف نواب كتلته بل من صفوف حركة "امل" حليفته في المعارضة. وموقف كهذا لن يكون فريدا في نوعه لأن حليفه الآخر في المعارضة بل قائدها فعليا وعمليا اي "حزب الله" لم يصر على حقيبة سيادية له لأن حليفه المعارض حركة "امل" حصل عليها. اما اذا كان "التيار الوطني الحر" يريد ان يستفيد من حقيبتين كي يكرس ما يعتبره انتصارا له ويحصل على ما يعتبره حقاً اولا كونه جزءا من المعارضة وثانياً كونه "الممثل" الشرعي والوحيد للمسيحيين او لغالبيتهم، كما يعتقد، فان اخصامه السياسيين في الغالبية و14 آذار لن يوافقوه على ذلك. لأنهم إن فعلوا يكونون اعطوا المعارضة حقيبة سيادية ثالثة إما من حصتهم او من حصة رئيس الجمهورية، وهم لن يفعلوا ذلك ويضعفوا انفسهم من دون مبرر ومن دون وجه حق.
كما انهم لن يقبلوا اضعاف رئيس الجمهورية الجديد الذي بالكاد يستطيع، مع حقيبتين سياديتين مهمتين، القيام بما ينتظره منه اللبنانيون، وخصوصا على صعيد الامن والاستقرار نظرا الى الأحقاد المتبادلة بين الجميع في الاوساط السياسية وفي الشارع، والى ازمة الثقة المستفحلة بين الجميع، والى الاجندات السرية او بالاحرى الضمنية، وان المعروفة، التي يتمسك بها معظم اطراف الشارع في لبنان وحلفاؤهم الخارجيون لأنها الوحيدة التي تحقق مصالحهم، وإن غير الوطنية، وعلى حساب مصالح لبنان.
كيف يمكن حل عقدة "التيار الوطني الحر"، اذا كانت هي الوحيدة التي تعرقل تأليف الحكومة الاولى للعهد الجديد؟
هناك طريقتان لا اكثر لحلها. الاولى اقناع التيار او زعيمه ومؤسسه بأن عدم حصوله على حقيبة سيادية من الحقائب الخمس لا ينتقص من تمثيله المسيحي بل يؤكده وذلك في انتظار ان تثبت الانتخابات النيابية السنة المقبلة صدق اعتقاده أنه الممثل الشرعي الوحيد للمسيحيين لأن التخلي له عن حقيبة سيادية ليس واردا و"لو خربت الدنيا" على ما تقول الاكثرية، الا اذا حصلت تطورات مفاجئة ليست في الحسبان. اما الطريقة الثانية فهي تولّي حلفاء "التيار الوطني الحر" وخصوصا "حزب الله" الذي يُقال ويُشاع انه صار يمون عليه، اقناعه بتليين موقفه وتسهيل امور التشكيلة الحكومية الجديدة. ولكن قد يكون هذا الذي يشاع في غير محله الامر الذي قد يدفع التيار الى رفض الاقتناع وحتى من حليف كبير. كما قد تكون الاجندة الضمنية لـ"حزب الله" وحلفائه تقضي بالافادة من المواقف المعرقلة للتيار بغية التفاهم سلفاً على مكاسب عدة في قطاعات مهمة تجعله واثقا من استمرار قدرته على المضي في تنفيذها او على الاقل مواجهة محاولات اخصامه تقييده او حظر سلاحه والتشكيك في اهدافه بكثير من النجاح. وفي حال كهذه لا بد من توقّع رد فعل سلبي من رئيس الوزراء المكلف فؤاد السنيورة بل من فريق 14 آذار اي الغالبية النيابية التي اليها ينتمي. ولا بد تاليا من توقّع انعكاس كل ذلك عدم استقرار امني على الارض رغم اتفاق الدوحة وانتخاب رئيس الجمهورية وتكليف من يشكل الحكومة الجديدة. فهل يعني ذلك ان الاطراف اللبنانيين المتصارعين ورعاتهم الاقليميين والدوليين يقومون الآن بمراجعة لما جرى منذ الدوحة لمعرفة من خسر منهم ومن ربح، واين وكيف، وذلك بغية تحسين المواقع والاوضاع لاحقا وقبل اكتمال وضع رسمي جديد لن تكون خربطته سهلة وإن غير مستحيلة؟
لا احد يملك جوابا عن ذلك. لكن اللبنانيين، رغم انتمائهم الى شعوب وقبائل متناحرة يطلبون من قادتهم وبينهم بشر وكذلك من هم منهم اقرب الى الآلهة الا "يستغشموهم" وان يفصحوا للمرة الاولى عمّا يضمرون لأن الفارق الكبير بل الشاسع بين المعلن والممارس بات يدفعهم الى الاحباط بل اليأس.