
كثرت التفسيرات حول دعوة رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع المجموعة الحاكمة إلى الرحيل. فهي على ما يبدو أربكت الخائفين على كراسيهم فيما اعتبرها البعض الآخر مقدمة لتغيير شامل في السلطة. لكن المقصود في هجوم جعجع الأعنف على السلطة ومن يدعمها داخلياً وإقليمياً، ليس إسقاط الحكومة أو العمل على تغيير وزاري صوَري فقط، مع اعترافه بوجود شخصيات فيها تستحق أن تحكم. “الحكيم” ذهب أبعد من هذه النظرة السلطوية، فهو وضع اليد على الجرح الذي يوجع ويجوّع اللبنانيين، ودلّ على مكمن الخلل الأساسي، وهو المنظومة الحاكمة وليس الحكومة فقط أو رئاسة الجمهورية.
هنا نقطة الاختلاف بين جعجع و”القوات” من جهة، والرئيس سعد الحريري و”تيار المستقبل” من جهة ثانية، بشأن دور المعارضة وكيانها الحقيقي في ظل هذه السلطة. والتباين بين الرجلين الأقويين في فريق المعارضة، يتمحور حول جوهر الهدف المرجو تحقيقه، أو بالأحرى حول النظرة إلى هدف هذه المعارضة. صحيح أن التواصل ليس منقطعاً بين الحليفين السابقين، ولن يتوقف رغم التصدع الكبير الذي أصاب هيكل العلاقة بين الحزبين الاستقلاليين، لكن أيّ أرضية ستجمعهما في المستقبل ستكون صلبة جداً وإلا لن يكتب لها النجاح، وذلك كي لا تتزعزع مرة جديدة.
الحريري لا يريد العودة
العمل منكبّ حالياً على تقريب وجهات النظر المتباينة بشأن الأهداف. وتؤكد مصادر متابعة للعلاقة بين الفريقين لـ”النهار” أنه “ليس هناك من عائق لحصول تفاهم بين جعجع والحريري، لكنّ هناك نظرتين مختلفتين الى موضوع المعارضة وكيانها. فالحريري لا يريد العودة على رأس حكومة في عهد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون مع الحفاظ على قنوات الاتصال مع “حزب الله”. وهذا ما يفسر وفق المصادر “تمسك الحريري بالعلاقة مع “حزب الله” و”حركة أمل” وعدم الإنجرار كلياً إلى طلاق كامل معهما والانتقال إلى المواجهة، تحت عنوان منع الفتنة والحفاظ على الاستقرار في البلد كما اعلن السبت الماضي الامين العام لتيار المستقبل أحمد الحريري، في حين أن هناك إنقطاع كامل مع العهد و”التيار الوطني الحر”.
في المقابل، تعتبر “القوات” أن المسألة لا تتوقف على تغيير حكومي فقط وتبديل في وجوه الوزراء. وتوضح المصادر المتابعة أن “جعجع يعتبر أن أي حكومة ستتألف في ظل السلطة الحالية التي يُعتبر “حزب الله” عمودها الفقري الأساسي وواجهتها الثانية رئيس الجمهورية و”التيار الوطني الحرّ”، وبالاشتراك مع التحالف القابض على مفاصل السلطة، لن يكتب لها النجاح أبداً، والتجارب السابقة تؤكد ذلك”. وتتابع أن “القوات تعتبر أنه “مع السلطة الحاكمة لن تتشكل حكومة من المعارضة أو من المستقلين، فالإدارة الحالية للحكم تريد الاستئثار بكل شيء في الدولة لفرض مفهومها الاستراتيجي الإقليمي القائم على التبعية للنظام الإيراني، والداخلي عبر السلطوية لرئيس الجمهورية و”التيار” وإبقاء رئاسة الجمهورية بين أيديهم”.
“القوات” لإسقاط المنظومة
وتوضح المصادر أن “موقف جعجع الأخير قبيل انعقاد “اللقاء الوطني” في قصر بعبدا، والذي دعا فيه إلى رحيل المجموعة الحاكمة “وترك الباقي علينا”، يؤكد أنه يعارض السلطة القابضة على السلطة وليس الحكومات التي أعطاها فرصاً عديدة لتحقيق الإصلاح والإنتاج، لأن أي وزارة تُشكَّل وتنجح في تطبيق الخطوات الإصلاحية ستصبح تلقائياً معارضِة للسلطة الحاكمة، لكن معظم الحكومات التي تألفت بالتفاهم مع هذه المنظومة تكوّنت وفق إرادة السلطة الحاكمة ولم تتمكن من إصلاح الوضع في لبنان، وعليه فإن تشكيل أي وزارة جديدة مع هذه السلطة ستفشل مجدداً”.
التواصل لم يتوقف بين “القوات” وتيار “المستقبل”، وتسعى الأولى إلى إقناع الحريري بأن وجهة نظرها في المعارضة هي الأفضل، أي أن تكون معارضة شاملة لكل السلطة الحاكمة، وأن أي معارضة أخرى مبنية على إسقاط حكومة وإحداث تغيير في مواقع معينة في الدولة أو “زيح تا إقعد مطرحك” ستكون فاشلة وتحمّل الفريقين المسؤولية، وتصبح “القوات” والمستقبل” شريكين للسلطة الحاكمة في الانهيار الحاصل ومدانَين معها”.