#adsense

الداخل السعودي بين تقدُّم في السن… والمرض

حجم الخط

يكنّ اللبنانيون وأنا واحد منهم محبة للمملكة العربية السعودية، ويقدّرون ما فعلته لمساعدتهم اثناء محنهم التي بدأت مع اندلاع الحروب عام 1975 والتي لم تنته بانتهائها عام 1990. طبعاً يعرف هؤلاء ان المملكة اندفعت الى مساعدتهم وبذلت الكثير في هذا السبيل. لكنهم يعرفون في الوقت نفسه انها لم تتمكَّن احياناً، وفي ظروف حرجة، من عونهم على حل مشكلاتهم الامنية والسياسية والعسكرية، سواء في الداخل او مع الخارج، وتحديداً الشقيق. لكنهم يتقبّلون ذلك بكل رحابة صدر، لأنهم يقدِّرون الظروف الاقليمية والدولية التي كانت تجعل مساعدتها اياهم ممكنة والاخرى التي كانت تقطع الطريق عليها. ولأنهم ايضاً يعتبرون ان "الاساس هو النية" كما يقول المثل اللبناني. والنية السعودية كانت دائماً حسنة تجاه لبنان. ولأنهم اخيراً يعترفون بان المملكة لم تبخل عليهم بالمساعدات المادية التي مكّنتهم، مع مساعدات اشقاء لها في العروبة وفي منطقتها، من الصمود رغم اهوال الحروب العسكرية ولاحقاً السياسية حتى يوم "عزَّت" المساعدة السياسية.

طبعاً قد يكون شابَ هذه المحبة عند قسم من اللبنانيين بعض الضعف، وخصوصاً في ظل التطورات التي شهدها لبنان منذ اواخر عام 2004، والتي كان ابرزها انقسام اللبنانيين فريقين، 8 آذار و14 آذار، وتولي سوريا وايران الاسلامية مهمة دعم الاول ورعايته وحمايته، وقيام السعودية ومصر برعاية الثاني وتقديم الدعم اليه وكذلك الحماية. إلا أن هذا الضعف لم يُلغِ من عقول اللبنانيين، وتحديداً على مستوى قياداتهم المتنوعة، اقتناعهم بأن الخروج من المأزق الخطير الذي فيه يعيشون سيبقى مستحيلاً او على الاقل صعباً ما لم يبادر الفريقان العربيان المشار اليهما اعلاه الى التعاون معاً بغية تمهيد الطريق للتسويات والحلول في لبنان.

لماذا هذا الكلام الآن على السعودية؟
الدافع اليه هو القلق الذي يشعر به اللبنانيون او بالأحرى بعضهم، من جراء عدم معرفتهم الواسعة بأحوال الداخل السعودي، وما يسمعونه من اخبار وتسريبات متناقضة، غربية وشرق اوسطية وعربية، حتى عن اوضاع هذا الداخل وقدرته على التكيّف مع التطورات التي قد تطرأ عليه في وقت غير بعيد، وتالياً على الاستمرار في الدور الريادي العربي بالتعاون طبعاً مع العرب الآخرين. والدافع اليه تحديداً هو التأثير الذي تركه مرض العاهل السعودي عبدالله بن عبد العزيز على محاولة تسويته "حرب" 8 آذار و14 آذار في لبنان. وكان سلبياً لأن المساعي السعودية جمدت منذ تدهور الحال الصحية للملك، وهي لم تتحرك الا اواخر الاسبوع الماضي بعدما بدا انه بدأ يستعيد عافيته. وقد اثار ذلك تساؤلات صعبة لا اجوبة عنها، مثل: هل ان الدولة السعودية هي فقط الملك ونجله عبد العزيز الذي كلفه متابعة الشأن اللبناني؟ هل الآراء متفقة داخل العائلة المالكة على معالجة وضع لبنان وتشعباته السورية والإيرانية والدولية بالطريقة التي يقوم بها العاهل السعودي؟ ام ان هناك تباينات وآراء اخرى يعتقد اصحابها أن الحلول يجب ان تسلك طُرُقاً اخرى؟

والدافع الى الكلام نفسه هو ايضاً خوف اللبنانيين، ومعهم الخوف على الداخل السعودي في ضوء خلافة عبدالله بن عبد العزيز اطال الله عمره في سدة الملك، وسلطان بن عبد العزيز في سدة ولاية العهد في حال اصابهما مكروه لا سمح الله. وهذا امر محتمل في ظل مرض الثاني رغم ان سنَّه لم تتجاوز 69 عاماً وفي ظل السن المتقدمة للاول وبداية تعرُّضه للمرض، وإن لا يبدو خطيراً على الاقل حتى الآن.

كيف يمكن معرفة الداخل السعودي بشيء من الدقة؟

لا يمكن معرفته من السعوديين انفسهم لأسباب كثيرة لعل ابرزها تحفُّظ العائلة المالكة وخصوصيتها ومصالحها وتكتمها وقدرها وقرارها عدم الوصول الى الاختلاف العلني، او حتى الى حد التصادم رغم عمق الخلافات داخلها، وذلك اقتناعاً منها بأن الضرر في حال كهذه سيصيب الجميع وحكمهم والنظام الذي اسسه الراحل الملك عبد العزيز وربما الاوضاع الداخلية في بلادهم. لكن يمكن معرفة بعض خطوطه من الاميركيين كون بلادهم حليفة للمملكة وللعائلة الحاكمة فيها وداعمة لها وحامية لها في اوقات الشدة. وقد برهنَتْ ذلك يوم حشدت القوى الضخمة واتخذت المواقف السياسية الحازمة لمنع صدام حسين من ادخال قواته السعودية بعد غزوه الكويت عام 1990. وهي تبرهنه يومياً منذ بروز خطر الجمهورية الاسلامية الايرانية على المملكة واميركا وعلى حليفة الاخيرة اسرائيل، بل منذ شعور حكامها بهذا الخطر وتالياً الخوف منه.

ماذا تقول المعلومات الاميركية عن السعودية؟

يقول متابعون اميركيون للداخل السعودي ولعلاقة بلادهم بالمملكة ومعهم عدد من كبار الباحثين، إن احتياطات النفط الضخمة للسعودية والثروة الناجمة عنها جعلت من السعودية عضواً مهماً في "مجموعة العشرين" الدولية (20 G). ويقولون ايضاً ان صوت العاهل السعودي عبدالله خادم الحرمين الشريفين المقدّسين عند المسلمين كان قوياً جداً في مواجهة المتطرفين الاسلاميين الذين نعتهم بـ "الضالين والمنحرفين". ويقولون ثالثاً ان هذا الموقف دفع واشنطن الى تشجيع الرياض على متابعته رغم استمرارها في انتقاد عدم ازالة كل ما يجب من كتب التدريس الديني. ويقولون ايضاً ان السن المتقدمة واعتلال كبار الامراء السعوديين قد يزيدان الاختلافات داخل العائلة المالكة. علماً ان واشنطن ستحرص على تأمين انتقال آمن وهادئ للسلطة عندما يحدد الله تعالى اوانه، كما على ان يواصل العاهل الجديد السياسة المُساعِدة نفسها لسلفه، بل لأسلافه، وخصوصاً في موضوعي المحافظة على إمدادات النفط و"أبلسة" المتطرفين الاسلاميين. ويقولون خامساً ان هناك توازناً قائماً الآن سياسياً وعسكرياً بين الملك قائد "الحرس الوطني" المؤلف من مئة الف عسكري بواسطة نجله متعب، وبين ولي العهد المسيطر على الجيش، بحكم كونه وزيراً للدفاع، بواسطة ابنه خالد (نحو مئة الف بين جيش بري وقوة جوية)، ووزير الداخلية المسيطر على قوى الشرطة والقوى الامنية الاخرى البالغ عددها نحو 80 الف فرد، بواسطة نجله محمد. ويقولون سادساً ان القيادة في اعلى الهرم السعودي يمكن ان تنتقل بعد سنوات من الاشقاء (اولاد عبد العزيز) الى ابنائهم وتحديداً الى ابناء عبدالله وسلطان ونايف الذين يمسكون الآن عملياً بالمفاصل الامنية والعسكرية في البلاد. علماً ان التنافس الحالي في حال استحقاق الخلافة قد يكون بين الشقيقين نايف وسلمان. في النهاية نحن نتمنى للعزيزة السعودية كل خير، حرصاً على استمرارها داعماً للبنان وحرصاً على توازن المنطقة واستقرارها. وما إثارة موضوع الداخل السعودي بهذه العجالة إلا محاولة لإطلاع الناس على ما يمكن من صورته، لأنهم معنيون به مثلما السعودية معنية بلبنان وتطوراته التي يقلقها بعضها.

المصدر:
النهار

خبر عاجل