فيما لم تتوقف المعارضة عن طرح شروطها للإفراج عن مؤسسات الدولة، فهي بدت من خلال مواقفها وتصرفاتها وكأنها تتطلع من خلال مساعي المعالجة الى أن تظهر صاحبة الحل والربط، على رغم ما تقوله أوساط في قوى 14 آذار عن ان الغاية الأولى والأخيرة لحزب الله تكمن في تجنب كسر كلمته التي تكفل له وللسائرين في ركابه الظهور بمظهر من هو أقوى من جميع الداخل والخارج، لاسيما بالنسبة الى كل ما يقال عن دعم اميركي وأوروبي وعربي للحكومة (…) وللسلطة الواحدة في لبنان!
وعند الحديث عن فتنة غير مستبعدة من أجندة حزب الله، فإن معظم اللاعبين في صفوف قوى 8 آذار يعرفون تماماً أنهم مجرد أحجار شطرنج، ربما لأن هؤلاء مقتنعون بأن شيئاً لن يتغير لمصلحتهم في حال لم يصطفوا وراء الحزب، حتى ولو أدى بهم الأمر السياسي الى زعزعة الإستقرار في البلد.
كذلك فإن اللاعبين من الهامش السياسي والشعبي، قياساً على ما ظهر منهم في الإنتخابات النيابية الأخيرة، لا يشكلون الثقل اللازم لتغيير معادلات الدولة، لكن الإعتماد على الغوغاء والديماغوجية سيؤدي تلقائياً الى تحقيق بعض المصالح الخاصة التي يمكن ان تتوزعها المعارضة، طالما أن حزب الله لا يسعى موقتاً الى أبعد من الزعامة لأن قراره التصعيدي لن يؤثر على المقلب المسيحي الآخر المتمثل بجماعة التيار الوطني وتكتل التغيير والإصلاح بزعامة النائب ميشال عون لمجرد أن الأخير يعرف تماماً أن مصلحته الشخصية بعيدة المنال، إن بالنسبة الى رئاسة الجمهورية أو بالنسبة الى خططه السياسية الأخرى ذات الطابع الإستفزازي الذي قد يسمح له بتنظيف سجله العسكري الأسود جراء تلطخه بلوثتين، الأولى لوثة الفشل في المحافظة على موقعه في قصر بعبدا ومعها طموحه الرئاسي، أما اللوثة الثانية فتكمن في ظروف فرار عون من لحظة شعوره بوجود نية داخلية وعربية ودولية للخلاص منه، وهو ما حمله الى اللجوء الى السفارة الفرنسية بذريعة التفاوض، فيما تأكد لاحقاً انه قد فر من أرض المعركة ما يستوجب محاكمته بتهمة خيانة ضباطه وجنوده في عز المواجهة العسكرية، متناسياً انه كان قائداً للجيش، بالتزامن مع اغتصابه السلطة السياسية والإدارية(…)
من هذه الزاوية بالذات يستحيل على حزب الله العودة الى حجمه حتى ولو جاءه الأمر من حلفاء الخارج، فيما يعرف الحليف العوني في المقابل انه لن يكون قد قارب حلمه الرئاسي في حال اقتنع بأن من الأفضل والأسلم عاقبة له ولمن يمثل الاحتكام الى المؤسسات الشرعية، مع العلم ان الحزب قادر على تسيير أموره الداخلية حتى ولو اقتضى أمر المحكمة الدولية وسواها عكس المسعى السعودي – السوري، طالما أنه قادر على التحكم بالمناطق الشيعية وبالشيعية السياسية بعكس ميشال عون الذي تتنازعه صعوبتان: الأولى صعوبة القرار المستقل. والثانية صعوبة التحكم بالساحة المسيحية؟؟
ثمة ملاحظة لا بد من التوقف عندها بحسب رأي المراقبين المحليين والأجانب، تفضي الى التساؤل عن موجبات تأخر حزب الله في حسم موقفه، على رغم معرفته بأن قرار المحكمة الجنائية الدولية لم يعد بعيداً. فيما ينظر النائب ميشال عون الى هذا الموضوع بمستوى انعكاسه الاستفزازي على الحزب، كي لا يقال عن "الجنرال" أنه قادر على اتخاذ موقف قد يتعارض بصورة من الصور مع ما رسمه حزب الله او مع ما هو مرسوم للحزب لدى الجماعات الخارجية التي يتأثر بها!
أما الملاحظة الأخرى فتنحصر حالياً بمدى ترتيبات الفتنة الداخلية غير المستبعدة بعدما دلت بعض المؤشرات على وجود "استعداد لنزع صفة الدولة عن الدولة"، جراء التخطيط لإبقاء مجلس الوزراء سلطة منزوعة الصلاحية. وإبقاء مجلس النواب سلطة مسلوبة الإرادة، فضلاً عما يقال عن وجود مخطط يؤدي الى استقالات من الجيش والأجهزة العسكرية والادارات العامة، عبر عصيان مدني جاهز للتنفيذ عندما تدعو حاجة حزب الله والتيار العودة إليه؟!
هذا الواقع يتحدث عنه البعض وكأنه تحصيل حاصل، فيما هناك من يجزم بأن التصعيد محتمل لكن شروط نجاحه تبقى تحت الصفر، حيث يستحيل على حزب الله وميشال عون والحلفاء الخروج على الدولة في حال لازمهم شعور بأن الدولة ستبقى واقفة من خلال الاعتراف العربي والدولي بها. وعندما يقال اعتراف عربي فإنه لا بد سيشمل الاعتراف السوري ولو على مضض كي لا يؤدي أي تصرف مغاير من قبل حكومة دمشق الى ما يفهم منه أنه تشجيع مبطن على تقسيم لبنان ووضعه في خانة "الفدرلة"!
أما القرار الإيراني المرتقب إيجاباً لمصلحة حزب الله والمعارضة فلا بد وأن يؤدي في المقابل الى احتمال حديث غير مستبعد عن مشروع تقسيمي لدول في محيط إيران قد يؤثر بشكل من الأشكال على الوحدة الإيرانية وعلى التماسك الشيعي في إطار "أرث الثورة الإسلامية" التي لم تشكل يوماً لقمة مستساغة لدى غير الشيعة!
وفي حال حصل سباق بين ما سيصدر عن حزب الله وحليفه ميشال عون (…) وبين الاعلان عن قرار المحكمة الدولية، فإن الأمور مرشحة لكثير من التساؤل، لاسيما ان تسريبات الداخل لم تتوقف لحظة عن الإشارة الى اجتماعات بين قادة الحليفين، من غير معرفة ما رست عليه او الاتجاه الذي سيتحدد قبل قرار المحكمة او بعده؟!