لم يفاجئنا اعلان العماد ميشال عون مساء الثلاثاء انتهاء المسعى السوري – السعودي، كما لم يفاجئنا هذا الجو المعبأ الذي ساد اقطاب قوى "8 اذار" على اثر اعلان عون لا لشيء الا لاننا ومنذ البداية كنا نتوقع ان يكون المسعى محكوما بتعنت قوى "8 اذار" وحلفائها الاقليميين في فرض شرط الاستسلام على الرئيس سعد الحريري وقوى "14 اذار" والاذعان لمطلبهم الوحيد الاحد: التنصل من المحكمة الدولية واعلان رفض القرار الظني.
فمنذ بداية المسعى العربي وقوى "8 اذار" ترى فيه محاولة التفاف على المحكمة الدولية لاسقاطها واسقاط القرار الاتهامي العتيد. فما هو مسعى لديهم يعني حمل قوى "14 اذار" على الاذعان لمطالبهم … وما هو تسوية يعني تطويع قوى "14 اذار" على اعتماد وجهة نظرهم، تماما كما هو تفسير قوى "8 اذار" للحوار على انه الضغط على الفريق المقابل من اجل تبني وجهة نظره بدل ان يكون الحوار الوطني مساحة تلاقي على قواسم مشتركة يتفق عليها جميع اللبنانيين.
فالفوقية المصحوبة بالتسريبات الاعلامية من هنا وهناك ميزت طوال هذه المدة موقف قوى "8 اذار" من المسعى السعودي – السوري فيما القطبة المخفية معروفة وقد تكشفت يوما بعد يوم في جملة من المعطيات كان اخرها موقف هذه القوى و"حزب الله" في طليعتها من ما كان متوقعا منهم ان يعطوه من جانبهم لتدعيم المسعى – بحيث رفضت تلك القوى ان يكون مطلوبا منها شيء تعطيه للرئيس الحريري في مقابل ما اعطاه هو من تنازلات ومواقف بدل ان تبني قوى "8 اذار" عليها لفتح حوار وطني صادق وهادف رجمتها ورجمت صاحبها الى ان وصلت الامور الى الحائط المسدود الحالي.
ففشل المسعى العربي كان متوقعا لانه انطلق من فكرة غير منطقية وغير واقعية وغير موضوعية وغير مقبولة على الاطلاق: الزام الرئيس الحريري وفريقه السياسي بالتنازل عن المحكمة الدولية والعدالة ورفض القرار الظني قبل صدوره – وما زاد من عمق احتمالات الفشل الدور السوري المزدوج كراعي للمسعى واحد اقطابه من جهة وانحيازه الواضح في ان وتبنيه موقف القوى الحليفة للنظام السوري بخاصة في الاونة الاخيرة التي عاد فيها هذا النظام الى مربع التشنج والسلبية في مواقفه، ما اجهض اكثر فاكثر احتمالات وفرص النجاح.
يضاف الى ذلك ان المسعى السعودي – السوري رشق من قوى "8 اذار" بالذات منذ بدايته بمجرد ان يوحي اعلامها ومواقف اقطاب فيها بأن المسعى ليس سوى محاولة لحمل فريق "14 اذار" على القبول بطعن المحكمة الدولية واعلان رفض القرار الاتهامي اي اخضاع الرئيس الحريري وفريقه السياسي لوجهة نظرهم ليس الا.
من هنا فاننا نسجل الملاحظات الاتي:
اولا: لا يمكن لاي مسعى توفيقي ان ينجح عندما يكون احد الساعين الى جانب فريق لبناني ضد الفريق الاخر – وقد حفلت المواقف السورية في الاونة الاخيرة بالتأييد والانحياز الكبيرين الى قوى "8 اذار" و"حزب الله" ما افقد المسعى موضوعيته وتوازنه – وقد نجحت المملكة العربية السعودية من خلال حكمة وموضوعية مواقفها الداعمة للبنانيين والرافضة التدخل في الشأن اللبناني الداخلي – في اظهار الخلل البنيوي لهذا المسعى العربي.
ثانيا: لا يمكن لاي مسعى توفيقي ان ينجح عندما يكون انطلاقه وتأسيسه متشابك لا بل متناقض. ففي حين كان هدف قوى "14 اذار" من المسعى العربي ايجاد ارضية صلبة لمواجهة مرحلة ما بعد صدور القرار الاتهامي للحفاظ على الاستقرار والوحدة الوطنية والحوار اللبناني ومواجهة تداعيات القرار لبنانيا، كان هدف قوى "8 اذار" و"حزب الله" في طليعتهم من وراء المسعى التوصل الى الزام الفريق السياسي المقابل بالانجرار وراء طروحات "8 اذار" و"حزب الله". فرفضت المملكة العربية السعودية التدخل في الشأن اللبناني وتوجيه خيارات اللبنانيين والتأثير عليها بدليل التصريح الاخير للسفير السعودي في لبنان الذي كرر اعتبار موضوع المحكمة الدولية شأنا لبنانيا رافضا ممارسة السعودية اي ضغط على اي لبناني لحمله على تبني وجهة نظر من دون الاخرى. في مقابل، استمرار النظام السوري في التدخل والتهديد بعدم الاستقرار الداخلي في لبنان ان صدر القرار الاتهامي متهما عناصر من "حزب الله"، فتحولت الـ "س – س" الى مشكلة بحاجة هي الى "س – س" اخرى لانقاذها من مأزقها.
ثالثا: ان المسعى السعودي – السوري فسر من قبل قوى "8 اذار" على انه قادر على تغيير او تعديل وجهة سير المحكمة الدولية والقرار الاتهامي وصولا الى ايقاف الاخير واسقاط الاولى، فيما الواقع ان لا السعودية ولا سوريا ولا الولايات المتحدة ولا اي دولة قادرة على التأثير على المحكمة وسيرها واعمالها ومهامها. فلم تفلح الحملات الشعواء التي شنت عليها وعلى القاضي بلمار وعلى القرار الاتهامي الافتراضي منذ اشهر طويلة الى اليوم في احداث اي تغيير او تعديل في مواقف المحكمة ولا في توقيفها. ما يعني انه بات لزاما علينا كلبنانيين ان نعود الى طاولة الحوار الوطني الداخلي بعد فشل المسعى العربي كي نعود مجددا الى محاولات اشتراح صيغ جديدة تصون وحدتنا الوطنية وتحصن الوطن والدولة في وجه اي عواصف ممكنة محليا واقليميا بموازاة حماية وصون العدالة الدولية واحترام دورها وترك المحكمة الدولية تنجز عملها بعيدا عن الضغوطات والتأثيرات من اي جهة اتت.
ومجددا نشير الى ان اعتبار المحكمة الدولية خط احمر لا يُمس كان بالنسبة الينا وسيبقى قبل ان يلتقي الرئيس الحريري الوزيرة كلينتون في نيويروك وبعد ان يلتقيها…
فما على قوى "8 اذار" ان تعود الى المائدة اللبنانية وتعترف بأن في لبنان رأي اخر غير رأيها وبأن ما من امكان لاحد ان يزيل احد … فبعد المبادرة العربية يجب ان نعود الى المبادرة اللبنانية الداخلية ولعل الخطأ الاستراتيجي الاكبر الذي ارتكبته قوى "8 اذار" في هذه الفترة كانت في اشاعة اجواء تفاؤلية غير اعتيادية حيال المبادرة ما اكد الخديعة الكبرى التي مارستها تلك القوى على الرأي العام اولا وعلى الـ"س – س" ثانيا، بحيث احرقتها قبل ان تصل الى خواتيمها …
لكل هذه الاسباب لم نفاجأ بفشل المسعى العربي … ولم نفاجأ بالتالي بهذه "الفوعة " الاعلامية – السياسية مساء الثلثاء ولا بالغطاء السوري لتحرك هذه القوى من خلال مشاركة الوزير سليمان فرنجية المباشرة في اللقاءات والاتصالات والاجتماعات ولا بالمهل التي اطلقها الوزير فنيش من الرابيه. فسوريا لم تترك فعليا تطرفها وانحيازها. وقد امسكت العصا من النصف ليسهل عليها العودة فورا الى موقعها الطبيعي المنحاز الى جانب حلفائها اللبنانيين في مواجهة القسم الاخر من اللبنانيين …
فأريد للمسعى العربي ان يكون حصان طرواده انقضاضي على "14 اذار"، فاذا به تحول الى اجنحة الطائر الاسطوري ايكار التي ذابت من وهج التضخيم والتضليل الاعلامي والسياسي والمزايدات الكيدية، فسقطت قوى "8 اذار" في نتائج تلاعبها الشنيع وغيها التعطيلي …
