#adsense

استجداء بعض المطارنة لزيارته في الرابية تعويضاً لاستعدائه الكنيسة المارونية

حجم الخط

عون يستعد لجولة جديدة من استنهاض المسيحيين
استجداء بعض المطارنة لزيارته في الرابية تعويضاً لاستعدائه الكنيسة المارونية

كان لافتاً قيام وفد من التيار العوني بزيارة لبعض مطارنة الأقليات، وقد تداولت بعض الأوساط حول سبب تلك الزيارات التي لم يعتد التيار المذكور القيام بها، خصوصاً وأنه كان ينادي على خلفية استعدائه لرأس الكنيسة المارونية بضرورة عدم الإصغاء لرجال الدين، غامزاً بالدرجة الأولى وملمحاً وقاصداً رجل دين واحداً ومحدداً هو السيد البطريرك مار نصرالله بطرس صفير.

إذاً، الزيارات تلك هدفت بالدرجة الأولى إلى إظهار الوجه المسيحي للتيار، ومن ثم أن العونيين وعلى رأسهم النائب ميشال عون إنما مشكلتهم مع بكركي وليس مع المرجعيات المسيحية الأخرى، ولكن حتماً فات هؤلاء أن المرجعية الأم هي الكرسي البطريركي في بكركي، وأي تجاوز لهذه الكرسي، إنما هو تجاوز للواقعية التاريخية والسياسية للبنان، الذي كان لمن أعطي مجد لبنان له الفضل الأكبر في استعادة لبنان الكبير لموقعه الحقيقي.

وحقيقة الأمر أن مشكلة عون لا بل مشاكله الجمّة والمتشعبة مع الكنيسة المارونية عمرها من عمر الرجل، وهذا يعود إلى سلوكياته الدينية البعيدة كل البعد عن الأصول المارونية بما فيها الطقوس والأدبيات الكنسية التي من الواضح أن الرجل لا يتقنها أبداً، وهذا ما يزيد من تعنته في استعدائه للبطريركية المارونية التي لا تماشيه في جنوحه المعاكس لطبيعة الوجدان المسيحي، ووجوده الحرّ في هذه الأرض. واللافت أيضاً أن الزيارات المستغربة تلك إنما هدفت لاستدراج بعض مطارنة الطوائف الأخرى غير المارونية تجاه الرابية لتصوير مشهدية أمام المسيحيين مفادها: يا أيها المسيحيون هلا رأيتم أن المشكلة ليست بين عون ومسيحيته، إنما هي مشكلة شخصية بينه وبين البطريرك الماروني… ولكن كان الأجدى بالوفد المذكور لو أنه أكمل زياراته تلك والتقى مثلاً متروبوليت بيروت للروم الأرثوذكس سيادة المطران الياس عودة، ولكنه لم يفعل، لأنه يعلم حتماً أن مبتغاه الذي يبحث عنه لن يجده هناك.

إذاً، الزيارات تلك هدفت بالدرجة الأولى إعطاء انطباع جديد ومختلف لحالة عون، مفاده أن بعده عن كنيسته لا يعني أنه لا يلتقي مع باقي الطوائف، ولكن المشكلة أنه يصنّف نفسه زعيم المسيحيين الأوحد. إذاً، من باب أولى أن يحترم الكنيسة المسيحية لا أن يهشم بها ويعمل على تهميشها، لدرجة أن الرجل أطلق على نفسه لقب البطرك، ليعود اليوم ويبدأ معركته الانتخابية النيابية ومنذ الآن على اعتبار أن تنقلاته وتقلباته السياسية ستفقده حتماً وهج نتائج انتخابات 2005 التي ساعده فيها بدعة الحلف الرباعي، لذا يتحضّر الرجل للإعداد لعملية استنهاض للمسيحيين من جديد، كما جرت معه العادة، بداية سوف يحوّل نفسه إلى ضحية، ومن ثم الاسطوانة ذاتها، تهميش المسيحيين، عدم التمثيل الصحيح، حكرية بعض الحقائب لفريق محدد.

وهنا على سبيل المثال، يطالب الرجل بحقيبة المالية، وهو راح يلطم يميناً ويساراً، ويصرخ عالياً بأن المالية مع فريق رئيس الحكومة دون سواه، متسائلاً لماذا لا يمكنه الحصول على هذه الحقيبة؟ ولكن لماذا لم يسأله أحد حول حكرية حركة أمل لوزارة الخارجية؟

لماذا لا يدافع عن وزارة العمل التي منذ العام 1990 لم تؤل إلا لوزراء محسوبين على السوريين؟ هكذا هو الرجل، يعتمد دائماً على مبدأ قلب الحقائق، لدرجة أن أحداً من أخصامه السياسيين لا يواجهه بمزاعمه على اعتبار أن المواطن لن يصدقه، ولكن للأسف يبقى عندنا بعض الناس ممن هم منتشون سكارى بما يطربهم به عون، لذا بات مستحيلاً عدم وضع حدّ لفبركات وتركيبات وكومبينات الرجل، وإلا صدّق هو تلفيقاته.

ولعل خسارته في الدوحة، وقبل الدوحة في الفينيسيا لرئاسة الجمهورية دفعته أخيراً إلى القول إنه تنازل عن رئاسة الجمهورية من أجل استرجاع حقوق المسيحيين، ولكن من يصدق أن عون تنازل عن الرئاسة كما يدّعي ويزعم بهتاناً؟ من يصدقه بعدما ساهم هو شخصياً بتهميش دور المسيحيين عبر حرمانهم من موقع رئاسة الجمهورية؟ من بإمكانه تصديق الرجل الذي لا يزال حتى الساعة يبحث جاهداً عن وسيلة ما للعرقلة ولوضع العصي في دواليب العهد؟.

عون ينجح دائماً في الاستنهاض، كما ينجح دائماً في قلب الوقائع والحقائق وتحويرها وتدويرها بشكل مبرمج ومعدّ باتقان، وهو في كل ذلاته ومطباته وانقلاباته وتبدّل مواقفه حتى في المؤتمر الواحد يقول شيئاً ومن ثم يناقضه بأشياء.. والجديد ـ القديم في قاموس الرجل السياسي المستحدث، عبارات تُحاكي الطبقة التيرسو من حيث الألفاظ البذيئة التي عوّد لسانه عليها، فيوم الاثنين وبعد انتهاء اجتماع كتلته النيابية، أطل على اللبنانيين بعبارتين هما على الشكل التالي: "الطهمزة". "بياكُل الطعُم وبيعملها على السنّارة".. إذاً، هذه هي لغة الرجل التي يُخاطب بها جمهوره المعتر الذي فعلاً تحوّل إلى فرقة للتصفيق بدل أن يكون رأياً عاماً يجيد لغة المحاسبة عند اللزوم.

والمضحك في الأمر لجوء الرجل عند كل مفترق انتخابي إلى الأسلوب الانطوائي الذي يجعله يطل على اللبنانيين والمسيحيين منهم تحديداً بمظهر المدافع عن حقوقهم، وبمظهر الحريص على مصالحهم، ولكن نزعته العدائية للكنيسة، وعدائه غير المبرر للبطريرك صفير، دفع ببعض مناصريه إلى التشبه به وتقليده في هذا الاستعداء، وهو ما يسير عليه بعض نواب كتلته الذين ما فتئوا يجاهرون بعلاقتهم ببكركي، وهذا إن دلّ على شيء فهو يدلّ على المشروع العوني القديم بضرب الكنيسة وإفقاد سيدها لدوره الريادي التاريخي، ولكنه وجد أخيراً أن حربه الضروس على الكنيسة تؤذي شعبيته وتخدش مشاعر حتى من يناصره، لذا لجأ إلى مطارنة الأقليات يجول عليهم في حركة تمثيلية ـ مسرحية لم ولن تعوّض حقده على بكركي، وهو قديم العهد، ولعل أبرز ترجمة عملية لهذا الحقد تمت ترجمته فعلياً يوم وجه أنصاره إلى الصرح البطريركي لإهانة البطريرك الذي اضطر الى ترك بكركي باتجاه المقرّ الصيفي في الديمان، بعدما تأخرت الحماية اللازمة للبطريرك ساعات وساعات وهذا طبعاً كان أمراً متعمّداً.

إذاً، نحن على أبواب عملية استنهاض جديدة للمسيحيين، بطلها ميشال عون مرة أخرى، البطل الذي سيتحوّل من جديد إلى الفريق المظلوم والمستهدف من قبل الجميع، لايهام المسيحيين أنه يُحارب كونه يحصّل حقوق المسيحيين، ليهبّ المسيحيون لنجدة زعيمهم وليعطوه أصواتهم في الانتخابات القادمة، وهكذا دواليك.. هذه قصة ميشال عون التي بدأت بالانكشاف شيئاً فشيئاً، بعدما أوصل هو شخصياً بتصرفاته، بنهجه، بحركاته، بقاموسه وبتحالفاته مع ميليشيات، بعدما أوصل المسيحيين إلى هذا الدرك… ليتحمّل وحده المسؤولية دون سواه.

ولكن الواضح أن استغلال بعض المطارنة لن يؤدي إلى أي نتائج، لأنه عبثاً يحاول استبدال موقعية بكركي بمواقع أخرى لا يمكنها الحلول محلّ من أُعطي لها مجد لبنان..
لذا فإن أفضل نصيحة يمكن أن تُسدى للرجل هي قول من الانجيل: مرتى.. مرتى.. تهتمين بأمور كثيرة، والمطلوب واحد!!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل