#adsense

أزمة مثلثة !

حجم الخط

ليس تشكيل الحكومات في لبنان مسألة استشارات نيابية تعقبها عملية اختيار للأسماء ثم تهبط الثقة من قبة السلطة التشريعية، لا، إنها معاناة وولادات قيصرية.

قبل أن يتم التألب ضد الرئيس سعد الحريري على خلفية مطالبته بما لا طاقة له عليه ولا قدرة عنده لتنفيذه، أي اسقاط المحكمة الدولية، كان قد أمضى أكثر من خمسة أشهر في العمل لتشكيل حكومته، التي باتت الآن مستقيلة بعد خروج 11 وزيرا منها، وذلك في خطوة تتناقض تناقضا صارخا مع "اتفاق الدوحة"، الذي دعا يوم تم التوصل اليه بعد أزمة مستشرية، الى عدم تعطيل الحكومة وعدم الاستقالة منها.

الآن سقط اتفاق الدوحة مع سقوط الحكومة. ويعترف الجميع، أولئك الذين استقالوا من الحكومة وأولئك الذين كانوا يعارضون الاستقالة، أنه لن يكون من السهل على الاطلاق تشكيل حكومة جديدة، حتى لو أدت الاستشارات النيابية الملزمة التي دعا اليها الرئيس ميشال سليمان الى تسمية رئيس مكلف جديد، مع أن توزع القوى النيابية في البلاد يدفع الى الجزم تقريبا بأن الرئيس سعد الحريري سيكون الأوفر حظا لتكليفه اعادة التأليف، رغم أن ما يحسم هذه المسألة هو التجاذب او المنازعة التي تتعرض لها كتلة النائب وليد جنبلاط التي تمثل 11 صوتا، لا يجمعها اتجاه واحد وسط حال الانقسام التي تضرب البلاد.

❒ ❒ ❒

واذا كان تشكيل الحكومة السابقة استغرق خمسة أشهر من الجهود والمعاناة، فمن الواضح تماما الآن أن التشكيل قد يتطلب خمسة أعوام وربما أكثر، سوى أن البعض من أهل المعارضة يرى أنه اذا كان لا مفر من صدور القرار الاتهامي واستمرار عمل المحكمة الدولية، فليصدر ما يصدر وليس في لبنان سلطة تنفيذية تتلقى المطالب وما الى ذلك من موجبات التنسيق والتعاون.

كل ما قيل ويقال الآن عن تخريب المسعى السعودي – السوري لن يقدم أو يؤخر. وكل ما يتردد عن قيام أميركا بنسف هذا المسعى انما يشكل جانبا سطحيا من واقع الازمة، التي بات يعرف الجميع انها تتمثل عمليا في أن هناك استحالة فعلية لوقف القرار الاتهامي وانهاء عمل المحكمة.

وليس سرا في هذا السياق ان جهودا حقيقية بذلت عربيا وأوروبيا في هذا الاتجاه، ولكنها عجزت عن فعل شيء. ولهذا تركزت المساعي في الاشهر القليلة الماضية على محاولة دفع "ولي الدم" رئيس الحكومة سعد الحريري الى اعلان موقف يتبرأ من المحكمة وينهي أعمالها، وهو أمر لا طاقة لأحد عليه، ثم انه حتى لو أقدم الحريري على مثل هذا التصرف الانتحاري وجدانيا، فان ذلك لم يكن ليوقف عمل المحكمة.

وهكذا عندما يقال الآن بعد استقالة وزراء المعارضة: "كان المطلوب من الحريري بيانا وصار المطلوب دفتر شروط" فان ذلك يوضح تماما، ان كل المطلوب منه كان ان ينسى ويغفر ويسامح، ولكن الحق العام لا ينسى ولا يغفر ولا يسامح، ثم انه في حدود الحد الادنى من الشعور الانساني والعائلي، كان المطلوب من الحريري أن يجعل من النسيان مسدسا يفرغه في رأسه ويقضي، وهو ما لم ولن يحصل.

في أي حال، واهم جدا من يظن أننا نسرع الخطى الآن لتشكيل حكومة جديدة. نحن دخلنا كما قال البعض في أزمة عميقة جدا، أزمة حكم ونظام ومصير. وعندما ترتفع في المنطقة والعالم أصوات تعرب عن القلق على مستقبل البلاد فإنها لا تغالي اطلاقا، فالوضع سيىء ، متوتر وخطير، والبلد مثل قبضة من الزئبق، وهو ما دفع بعض المتشائمين الى المبالغة في التساؤل عما اذا كانت رياح "السودنة" ستضربنا؟!

المصدر:
النهار

خبر عاجل