
يخيم التشاؤم على لبنان اليوم الباحث عن بارقة أمل تنقذه من تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وتفاقم الازمات السياسية بلا مدبر أو عين ترعاه، فالسلطة “كوما” والشعب اللبناني الذي يئن ولم يعد يتوقع منها شيئاً، نعاها ويسير بالجنازة. ولعل الخرق الوحيد لجدار الويلات يتمثل بصوت البطريرك مار بشارة بطرس الراعي العالي بوجه أداء حزب الله، المطالب بالحياد والتوقف عن تحميل لبنان تبعات سياسة الحزب الخارجية.
و”لا شك بوجود حركة دبلوماسية واضحة تجاه لبنان، كما هناك ضغط أميركي على إيران، ودخول فاتيكاني على الخط من جهة ثانية. وبالتأكيد الفاتيكان ليس بعيداً عن مواقف الراعي الأخيرة، ومطالبته بإعلان حياد لبنان”، وفق ما يؤكده مدير مركز المشرق للدراسات الاستراتيجية الدكتور سامي نادر عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني.
ويلفت نادر إلى أن “مواقف الراعي تحمل رمزية كبيرة وأتت في لحظة تاريخية، خصوصاً بمناسبة المئوية الأولى لتأسيس لبنان، إذ يستذكر مبدأ مؤسِّساً للصيغة اللبنانية. فالخيار الأساسي المتمثل بلا شرق ولا غرب، وأن ينسى كل طرف أبعاده في الإقليم والذهاب إلى صيغة واحدة، هذه فلسفة الحياد، أي الخروج من المشاريع الإقليمية التي كان مختلف الأطراف جزءاً منها واصطفوا ضمنها والاتجاه بمشروع واحد. بالتالي هو حياد من أجل البناء”.
موقف الراعي لا يتلاقى مع موقف رئيس الجمهورية ميشال عون، إذ اوضحت مصادر رسمية مطلعة على موقفه، عبر “اللواء”، ان “موضوع الدعوة الى الحياد موضوع حساس وله تفسيرات مختلفة بين الجهات الرسمية والقوى السياسية، التي ينظر كلٌ منها الى الحياد من منظاره السياسي، عدا عن وجود مخاوف لدى البعض من ان تتحول مطالبة الامم المتحدة والمجتمع الدولي بضمان حياد لبنان الى نوع من التدخل اكثر في شؤون لبنان الداخلية وفرض إملاءات وشروط سياسية عليه”.
من الحياد الى الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، طَوت الحكومة خطتها الاصلاحية لتنطلق الى البحث عن خطة بديلة، وذلك بعدما اطّلع المجتمعون على نتائج الاجتماعات التي عقدها المستشارون والخبراء، إضافة إلى مضمون الاجتماعات مع صندوق النقد الدولي.
وقالت مصادر المجتمعين لـ”الجمهورية” إنّ “الحكومة طَوت خطتها المالية، لا بل انقلبت عليها كلياً، إذ انّ وزير المال غازي وزني ابلغ الى المجتمعين انه لا بد من خطة بديلة تعتمد فيها الحكومة على ما تملك الدولة من عقارات لتغطية الخسائر المالية”.
وفيما اعتبرت مصادر وزارية ومصرفية ان توجّه الحكومة الى خيارها الجديد يحمل أملاً لتغطية الخسائر واعادة تصحيح الامور تدريجاً، رأت مصادر مالية انّ “انقلاب الحكومة على خطتها يعني انّ حيتان السياسة والمال ربحوا مرحلياً، وأنّ المواطنين سيتعرضون للسرقة مرة أخرى”.
الازمة الاقتصادية التي لا يختلف لبنانيان ان سببها الأساسي هو أزمة الكهرباء، من المؤسف ان نهج القيمين عليها لم يتغير لا بل الى تفاقم وتزايد، واستغربت مصادر سياسية بارزة “كلام وزير الطاقة ريمون غجر عن وعده بتحسن زيادة التغذية بالتيار الكهربائي ابتداء من منتصف الاسبوع المقبل وهو نفس الكلام الذي قاله الأسبوع الماضي ولم تتحسن نسبة زيادة التغذية، ما يعني ان على المواطنين الاعتياد على ازمة انقطاع الكهرباء طويلا وبلا أفق”.
وأضافت عبر “اللواء”، “لا يعقل ان يطلق الوزير غجر وعودا لا تتحقق بل تزداد الامور سوءا ولم يعد أحداً مسؤولا والمواطن وحده يتحمل الخسائر والمعاناة جراء استمرار انقطاع التيار الكهربائي بشكل شبه كامل عن كل لبنان ولا احد يحاسب أحدا”.
وقالت، “لا يقتصر قصور غجر بملف الكهرباء فقط بل ان ادارته لملف المازوت والازمة المترتبة عن سوء المعالجة توازي العجز بملف الكهرباء او اكثر لاسيما مع اعترافه بعدم القدرة على احاطة هذه المشكله ووضع حد لها”.
أمام هذا الواقع، لبنان وبدلاً من المسارعة بإنجاز الإصلاحات ينتظر الفرج والمساعدات من الخارج، ونقلت مصادر مطلعة على حقيقة الموقف العربي من لبنان لـ”نداء الوطن” أنّ “المشكلة المحورية التي يعاني منها اللبنانيون حالياً تكمن في إمساك حزب الله بمفاصل السلطة الرسمية في البلد، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال التعاطي العربي، لا مع العهد العوني ولا مع حكومة حسان دياب، سوى من هذا المنظار”.
وأضافت، “لم تعد تجدي لا المجاملات ولا المناورات، والأمور لا بد أن تقال بأسمائها من اليوم فصاعداً، أحد أبرز الشروط العربية هو وقف حزب الله لأعماله العدوانية التي تطاول دول المنطقة، فالدول العربية حريصة طبعاً على لبنان وشعبه، وهي من منطلق حرصها هذا ترى ضرورة بسط السلطات الشرعية سيادتها على أراضيها وعلى سياساتها الخارجية، لكن بطبيعة الحال لا أولوية تتقدم على أولوية الدول العربية في تحصين استقرارها الداخلي في مواجهة محاولات حزب الله زعزعة هذا الاستقرار. على أمل أن تكون الرسالة وصلت إلى حزب الله وإلى كل من يعنيهم الأمر في لبنان”.