#adsense

مقدّمات..!

حجم الخط

.. ولا بأس بكل ذلك التهويل والوعيد. وإجراء مناورة على الأرض للقول إن الأوراق المستورة كُشفت كلها. وإن السيناريوات الخرابية وضعت لتُنفذ، وإن الجسور بين المنطق ونقيضه وبين الحوار والاحتراب قد نُسفت أو يجري الإجهاز على ما تبقى منها.. وأن لبنان هذا كان ولا يزال وسيبقى منذوراً للوصاية المحلية والخارجية وإلاّ تدمّر على من فيه!

انتهى زمن العقل، وبدأ زمن الغرائز. ولا يفترض بأحد أن يتفاجأ بعد اليوم بما سيجري باعتبار أن ما كان قبل الأمس لن يكون مثله اليوم وغداً، هكذا دفعة واحدة، وكأن الراكب على صهوة بيانه التهديدي وفعله القطعي يدير حربه على أرض ليست أرضه، وعلى ناس ليسوا ناسه وفي وطن ليس وطنه، أو كأن الأغيار في عُرفه لا يتوزعون على مراتب متباعدة، إنما كلهم يصطفّون في مرتبة واحدة، هي مرتبة الأعداء التامّين، ووجب شرعاً وسياسة وممانعة التصدي لهم، تماماً كما يتم التصدي لأي عدو خارجي كامل الأوصاف.

إما أننا نعيش في عصفورية لا تحتاج إلا الى إلغاء التمويه في عنوانها الدال الى أننا في وطن.. وإما أننا حيال منطق مقامر لا يعرف إن دخل اللعبة وخسر، كيف يخرج منها والحد من خسائره.

قبل الآن، كانت أنشودة تهديم الهيكل جزءاً من سياق الذعر وبيان التخويف وتهبيط الحيطان لعل شيئاً يتغيّر في المقدّر. لكننا راهناً صرنا في مكان آخر تماماً. بدأ بالصوت والصورة ويستكمل سيره في الشارع. فيه كل المقدمات الضرورية المطلوبة للنزال والنزاع والحرب. وفيه كل صلف الاعتداد بقوة بُنيت على أساس التصدي لعدوان خارجي(؟) وعلى أساس ترقيع السياج المحطم عند الحدود الجنوبية ومنع تشليعه وتكسيره كلما عنّ على بال الإسرائيليين ذلك، لنكتشف منذ حين وزمن أن ذلك ليس البيان الحق، وأن "المشروع" يستبطن غير ما يكشف، ويضمر غير ما يعلن، وأن السلاح بكل حال، لا يعرف أو بالأحرى لا يريد أن يعرف التمييز بين أهدافه، وأكبرها وأولها توقيف الزمن الاستقلالي اللبناني، ومنع أهله من الانتشاء بأحلامهم عن وطن آن له ولأهله أن يركنوا في هدأة الحال الطبيعية، وليس البقاء في تلك الاستثنائية المستمرة منذ أكثر من ثلاثة عقود.

ما صحّ في هذه الدنيا، إلاّ الصراخ الذي انطلق بعد الانسحاب الإسرائيلي في العام ألفين.. سائلاً عن معنى بقاء السلاح في أيدي فئة واحدة إذا لم ينضبّ تحت خيمة الاجتماع الوطني العام، وخيمة الدولة اللبنانية وسلطتها وسلطانها ومشروعها الخاص بالاستراتيجية الدفاعية.. صحّت هواجس المهجوسين وتساؤلات المتسائلين، وقلق القلقين، وبانت اليوم من جديد، الوظيفة المزدوجة لذلك السلاح الآيل الى فرض رأيه ومنطقه وأدبياته وسياساته على الجميع، والآيل الى الاستخدام في كل مرة يقرر أصحابه أنهم خسروا عندما عطلوا مفاعيله!؟

ما عاد الموضوع جزئياً، أو خاصاً بالقرار الاتهامي والمحكمة الدولية، إنما انتقل دفعة واحدة الى مصاف آخر، مصاف اعتبار الممانعين، أن الفرصة قائمة وسانحة لإعادة تجليس الإعوجاج الذي خدش منطق الساحة ولمّع منطق الوطن. وأن الأثمان التي دفعت وستدفع يمكن تعويضها بإعادة تفعيل شعار "مقاومة إسرائيل". ففي ظله أصلاً قامت دنيا العرب في النصف الثاني من القرن العشرين ولا تزال، وهي الدنيا التي اعتبرت "السلطة" أهم من كل شيء.. والباقي معروف.
تفصيل بسيط جداً.. وهو ضرورة انتباه أصحاب السلاح والشارع، الى أن لبنان ليس غزة فقط، إنما أيضاً ليس العراق!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل