#adsense

لبنان… أهي مرحلة جديدة؟

حجم الخط

لبنان… أهي مرحلة جديدة؟ 

(لا سبيل لمنع استخدام السلاح مرة أخرى إلا بتفاهم الفريقين على "القضايا التوافقية"، أي التي لا يجوز القرار فيها انفرادياً! )

الحديث عن مرحلة جديدة في لبنان صواب وخطأ في آن معاً. فهو صائب إذا كان المقصود به مرحلة ما بعد الأزمة التي بدأت منذ التمديد للرئيس السابق اميل لحود في سبتمبر 2004، وتصاعدت مع اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، واختلطت أبعادها الداخلية بالصراع الأميركي -الإيراني الذي أخذ طابعاً جديداً بعد غزو العراق وارتبط بتحرك أميركي-فرنسي لإخراج سوريا من لبنان. فهذه الأزمة التي أخذت تتفاقم إلى أن انفجرت ميدانياً و"لعلع" فيها سلاح "حزب الله" داخلياً للمرة الأولى، لم تنته وإنما أُسدل الستار عن فصل من فصولها.

لذلك يصح الحديث عن مرحلة جديدة في لبنان إذا كان القصد منه أنها مرحلة من مراحل الأزمة، أو فصل من فصولها كان اتفاق الفريقين المتصارعين (الموالاة أو 14 آذار والمعارضة أو 8 آذار) في الدوحة يوم 22 مايو الماضي إيذاناً ببدايته.

مازال هذان الفريقان بحاجة إلى الرعاية العربية التي أنتجت ذلك الاتفاق، حتى لا يكون مصيره كاتفاق مكة بين حركتي "فتح" و"حماس" الذي تم توقيعه في فبراير 2007، ولم يصمد أكثر من ثلاثة أشهر.
وحتى إذا لم يكن ثمة وجه مقارنة بين الوضعين اللبناني والفلسطيني، يظل استمرار الرعاية العربية، وليست فقط القطرية لاتفاق الدوحة، ضرورياً. غير أن ما صدر عن أمين عام الجامعة العربية من تصريحات، عقب انتخاب الرئيس اللبناني الجديد، يوحي باطمئنان زائد ويفتقد القلق الذي يدفع إلى الاستنفار المستمر، على الأقل إلى أن يحدث تفاهم على إطلاق الحوار حول العلاقة بين الدولة والتنظيمات، وهو العنوان "الكودي" لمعالجة مستقبل سلاح "حزب الله". فالاتجاه السائد في خطاب الأمانة العامة للجامعة يدور حول استثمار تجربة النجاح في إنقاذ لبنان ومعالجة أزمته الخطيرة، والتحرك للتعاطي مع أزمات ومشكلات عربية أخرى.

وإذا كانت الأزمة الفلسطينية الداخلية وأزمات العراق والسودان والصومال تحتاج فعلاً إلى تحرك عربي بحثاً عن حلول لها، فمازال مبكراً التأكد من أن حل اتفاق الدوحة يمكن أن يمثل نموذجاً لمعالجة هذه الأزمات أو بعضها، أو ينطوي على النجاح الذي نتطلع إليه.

فالأزمة اللبنانية هي، في جوهرها، صراع على هوية لبنان ومستقبله ودوره في المنطقة والعالم… صراع بين من يريدونه ساحة تخوض عليها القوى الراديكالية العربية والشرق أوسطية معاركها ضد الغرب، ومن يحلمون باستعادة طابعه التعددي في إطار علاقة وثيقة، إن لم يكن ارتباطاً مصيرياً بهذا الغرب. ولذلك فهو يتصل بالصراع الأوسع على مستقبل الشرق الأوسط، ويدور معه، لكن ليس بالضرورة دوران العلة والمعلول.
ويصعب، والحال هكذا، إنهاء الأزمة اللبنانية فيما يزداد الارتباط بين ملفات الصراع على الشرق الأوسط، من الملف النووي الإيراني، إلى الملف السوري -الأميركي، فضلاً عن الملفين العراقي والفلسطيني.

ولا يعالج اتفاق الدوحة جوهر الأزمة، حيث يلتقي الصراع على لبنان بالصراع على الشرق الأوسط. فقد أُرجئت القضية الوحيدة ذات الصلة بالصراع الأوسع على المنطقة، وهي سلاح المقاومة، بعد أن رفض "حزب الله" وحلفاؤه في المعارضة طرحها للتفاوض في حوار الدوحة. لكن خطاب القسم الذي ألقاه الرئيس اللبناني الجديد عقب انتخابه طرح إطاراً عاماً لمعالجة هذه القضية عبر السعي إلى استراتيجية دفاعية للدولة تستفيد من طاقات المقاومة.

وهكذا، قدم اتفاق الدوحة حلاً لما يمكن اعتباره أهم أعراض الأزمة اللبنانية، وليس لمصدرها الرئيسي وهو الانقسام بين مشروعين بشأن هوية لبنان ومستقبله في إطار صراع إقليمي ودولي أوسع نطاقاً. فالفراغ الرئاسي ومشكلة الحكومة هما مسألتان إجرائيتان أنتجتهما الأزمة، ولم تكونا مصدرها المنتج. وكذلك الحال بالنسبة لقانون الانتخاب، وما يقترن به من خلاف على بيروت في ظل سعي كلا الفريقين إلى تحسين مركزه في الانتخابات المقبلة.

ومع ذلك، يكتسب اتفاق الدوحة أهميته من أنه يوفر فرصة لكل من الفريقين المتصارعين لتأمل شريط الفصل السابق في الأزمة، ومراجعة حساباته بعد ما تبين أن سياسة حافة الهاوية التي اتبعاها قد تؤدي إلى انفجار غير محسوب.

كما أن وجود رئيس ثبت من قيادته للجيش أنه يتمتع بحكمة تشتد الحاجة إليها، قد يحقق تحسناً نسبياً في أساليب إدارة الأزمة مستقبلاً، لأن "هدنة الدوحة" قد لا تستمر أكثر من شهور، ما لم يتم التفاهم على طريقة هادئة لمعالجة موضوع سلاح "حزب الله" بما يحقق التوازن بين الحفاظ على المقاومة واستعادة سيادة الدولة على أراضيها. ويوفر خطاب الرئيس ميشال سليمان عقب انتخابه (خطاب القسم) مدخلاً للحوار الوطني اللبناني حول هذا الموضوع. ولا تتعارض الرعاية العربية للحوار مع دور الرئيس، بل تكمله وتدعمه. وهذا الدور العربى أكثر من ضروري، ليس فقط للتقريب بين مواقف الفريقين، ولكن أيضاً لتقديم الضمانات اللازمة في ظل انعدام الثقة بينهما. وحتى إذا افترضنا أن المضي قدماً في تنفيذ اتفاق الدوحة من شأنه أن يحد تدريجياً من الشكوك العميقة المتبادلة، فهذا يتطلب وقتاً طويلاً ولا يؤدي في الأغلب إلى أكثر من تحسن نسبي يقلص هذه الشكوك، لكنه لا يخلق ذلك المقدار من الثقة الذي يتطلب تفاهماً على المسألة الأكثر التصاقاً بجوهر الصراع على لبنان وعلى الشرق الأوسط.

وإذا كان الفصل السابق في الأزمة قد ارتبط بالانتخابات الرئاسية، فالأرجح أن الانتخابات البرلمانية ستصنع أهم مشاهد الفصل القادم بافتراض أن معضلة سلاح "حزب الله" لن تعجل بتفجيرها.

كانت الانتخابات الرئاسية التي بقيت معطلة نحو ستة أشهر أهم معالم الفصل السابق في الأزمة، منذ أكثر من عام حين اقترب موعد الإعداد لها في ظل انقسام يمنع توفير أغلبية الثلثين اللازمة لانتخاب رئيس جديد في البرلمان.

فإذا لم ينفجر الصراع بسبب سلاح حزب في حال إخفاق الحوار حوله، وأمكن للفريقين أن يتعايشا في حكومة الوحدة بدون صدام بينهما خلال الشهور المقبلة، ستكون الانتخابات البرلمانية التي يقترب موعدها المقرر في مايو 2009 هي المشهد الرئيسي في الفصل القادم للأزمة. وقد يبدأ هذا الفصل مبكراً إذا أدى ما بقي من خلاف على القانون الذي ستجري هذه الانتخابات على أساسه إلى انسداد سياسي جديد. فإذا تعذر التفاهم على قانون الانتخاب في صورته النهائية، ستكون النتيجة فراغاً حكومياً وبرلمانياً حين تنتهي ولاية مجلس النواب الحالي.

وإذا كان وجود رئيس في قصر بعبدا يبدو مطمئناً بدرجة ما، فقد تكون الأزمة في فصلها القادم أكبر من قدرته على إدارتها، وخصوصاً إذا لم يستخلص فريقاها العبرة من الفصل السابق. والأرجح ألاَّ تزيد قدرة الرئيس على إدارة الأزمة من موقع الرئاسة عمّا تيسر له من قبل في موقع قائد الجيش. فهو مضطر في موقعه الجديد إلى السير على حبل مشدود لا يختلف كثيراً عن ذلك الذي كان عليه المشي فوقه منذ اغتيال رفيق الحريري وحتى دخوله قصر بعبدا ظهر 26 مايو الماضي.

غير أن احتمال إخفاق التفاهم على قانون الانتخاب ليس كبيراً. فالاحتمال الأكبر منه هو أن يحدث هذا التفاهم، وتُجرى الانتخابات في موعدها، ليبدأ الفصل القادم من الأزمة في حالة تعثر الحوار حول سلاح "حزب الله". وهنا نأتي إلى النقيصة الأساسية في اتفاق الدوحة، وهي إغفاله أهمية تأكيد أن التوافق هو القاعدة، وليست الأغلبية، فيما يتعلق بإصدار القرارات الكبرى. فلا سبيل إلى الحد من خطر استخدام السلاح في معركة داخلية مرة أخرى إلا بتفاهم الفريقين على ما يمكن أن نسميه "قضايا توافقية"، أي تلك القضايا المفصلية التي لا يجوز لأي فريق الانفراد بالقرار فيها وإنما يتعين التوافق عليها.

وكان من الضروري الانتباه إلى أهمية ذلك في حوار جرى ترتيبه لاحتواء معارك مسلحة ترتبت على انفراد فريق 14 آذار بإصدار قرارين في إحدى أهم تلك القضايا. والدرس الجوهري الذي لم يتم استخلاصه من هذه المعارك، هو ضرورة أن يشمل الاتفاق استمرار العمل بقاعدة الثلث الضامن أو المعطل في الحكومات التالية، بغض النظر عمن تكون لديه الأغلبية.

ورغم استحالة التنبؤ بنتائج الانتخابات البرلمانية قبل عام على موعدها، فليس مستبعداً أن يحصل أحد الفريقين المتصارعين على أغلبية قد تغريه بالتصرف منفرداً مرة أخرى، واتخاذ قرارات تدفع إلى المواجهة في الشارع مجدداً. وإذا حدث ذلك، فربما يكون الفصل القادم في الأزمة أكثر خطراً وأشد عنفاً.

المصدر:
الإتحاد الإماراتية

خبر عاجل