ليس بيان مجلس المفتين إلا بداية الغيث.. وبداية الوضوح في عنوان المعركة الراهنة في لبنان ومسارها من الآن فصاعداً، إذا ما استمر الطرف الآخر في ابتداع كل أسباب أخذ اللبنانيين عموماً والمسلمين خصوصاً الى زوايا الضيم والإذعان والفرض وما يعنيه كل ذلك.
لم تعد تنفع كل الأحجبة والبراقع والستائر.. لا المقاومة ولا أدبياتها ولا سياستها ولا مشروعها، ولا الخطاب الممانع من أوله الى آخره، لم يعد كل ذلك ينفع في تجميل وجه الموقعة الراهنة في عالم المسلمين باعتبارها صداماً مباشراً.. يتحمّل مسؤوليته طرف يستقوي بآلته الحربية، فيما الطرف الآخر يستقوي بالدولة والقانون والمشروع المدني وخطاب التسوية، والبحث عن العدالة.. أو بالأحرى الاكتفاء بالبحث عن الحقيقة ونسيان العدالة صوناً لوحدة لا يستفيد من تفتيتها إلا عدو الجميع!
وما كان إلا لقاصر مبتدئ في معرفة لبنان وأحواله، أن يفترض ان الانقلاب الراهن سيمرّ باعتباره موقعة سياسية، أو منازلة كبيرة مع "المشروع الأميركي"، أو إكمالاً للقوس الممتد من طهران الى بغداد فدمشق فبيروت.. أو رداً على "مؤامرة" المحكمة الدولية، أو وفق النكتة السمجة "درءاً للفتنة" ومنعاً لها.. أو غير ذلك من الأدبيات التي ترد بكثرة في هذه الفترة، في بيانات ولسانيات جنرال البلف وأعوانه، والتي يظن صاحب الانقلاب انها تموّه وتستر هويته الفعلية والحقيقية!. لم ينفع الكلام الاصيل (الخاص بالمقاومة) في التمويه، فكيف الحال مع الكلام الوكيل الخاص بنكتة الفساد والإصلاح، وما شابه من تهريج مسعور لجنرال لم يربح معركة واحدة في حياته؟
وما كان إلا لقاصر مبتدئ في معرفة الجغرافيا البشرية اللبنانية، أن يظن ان هذا الهزّ العنيف للميزان، لن يضرب عميقاً في محور تلك الجغرافيا، أو ان ذلك الخلط (المفتري) بين أهداف الخارج ومشاريعه، وبين مجموعات في الداخل (طوائف ومذاهب وعائلات) يمكن أن يسري ويمشي من دون أن يصل في اللحظة المناسبة الى "فحواه" المتفجر.
ليس رد الفعل الراهن، إلا تتويجاً منطقياً لوصول الأمور الى ذروة لا تحتمل. خصوصاً إذا كانت هذه نتيجة توليفة شعور بالظلم، معطوف على فعل تجنِّ واضح، وبعده صلف وغرور ورفض أيد ممدودة، وصولاً الى الإعلان الصريح لمشروع إلغاء وكسر إرادات من دون أي تلوين!
رد فعل لا يداري اللغة، ولا يستعير مفردات التشبيه والاستعارة لتلطيف بيانه، ولا يتوسل الغموض والتورية حفظاً لحقيقة المشاعر المعتملة في الصدور، كما لا يتوسل إلا الوضوح الصافي في إعلان موقفه وموقعه ونظرته الى الانقلاب باعتباره إلغاء وكسراً عاماً وليس استهدافاً لشخصية سياسية واحدة فقط!
للمهرجين أن يلعبوا كما يشاؤون على هذا المسرح.. لكن للمخرج، لصاحب النص، لصاحب السلاح ودينامو الانقلاب أن يُعيد الحساب، خصوصاً وأن الظن (حتى الآن) انه مقيم على قناعته بأن الفتنة كبيرة الكبائر والمحرّمات، وأن شيئاً على الأرض لن يعوّض غضب السماء..