.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
المشهد سوريالي. سوريالي يا ربي كأنه مستوحى من فيلم اميركي عن قنبلة نووية أُلقيت فوق الكرة الارضية، وما تبقّى منها الا القليل القليل الذي نجا بأعجوبة. هنا ارض الحكاية، وهنا حكاياتنا ليست مثل حكايات ستي فيها ما فيها من البراءة والبركة والخير. لا، هنا لبنان اليوم أرض الاشرار والشياطين الذين حوّلوا ارض الرسالة والخير الى ملفى الموت والدمار.
4 آب 2020، بعمر عمرو لن ينسى لبنان هذا التاريخ. لن ينسى ان ثمة من خزّن موادا شديدة الانفجار في مرفأ بيروت، لتتفجر هولا لا يوصف بالناس، واشلاء وشهداء ودمارا هائلا يفوق اي خيال، يفوق مخيلة اشهر الكتاب والمخرجين والروائيين، لتصبح بيروت مدينة منكوبة بالكامل، وليتناثر الموت في محاولة عنيدة منه ليقتل كل حياة في المدينة.
دوى الانفجار، دوّت القنابل الصواريخ المواد المتفجرة… لا نعرف تحديدا ما الذي دوّى، لسنا خبراء متفجرات، نعرف اننا فجأة صرنا تحت الردم، لحافنا الزجاج المتناثر ورماد الموت فوق رؤوسنا. لعلع عويل الموت وصارت المدينة تبحث عن اشلائها بين الركام.
“ما بعرف اوصف اللحظة، بعرف انو جحيم فجأة شلّعلي قلبي من مطرحو ولقيت حالي تحت القزاز”، تقول سميرة ابنة شارع فسوح في منطقة الاشرفية. هل فقدتِ عزيزا؟ نشكر الله ما حدن صرلو شي، تهبّط البيت الله بيدبّر منرجع نعمرو”. يتدخل مواطن في الشارع اياه “نعمرو؟، ومن وين بدنا نعمرو، ليش معنا مصاري تـنعمّر؟ لأيمتى بدو يضل جنى عمرنا مسروق للفاسدين والمجرمين؟”، وهرول غاضبا يلملم ما تبقى من بيته المصدّع.
في تلك اللحظة غير الموصوفة، كأن شيئا ما طار بنا من الحياة الى الموت مروروا بجحيم ما، جحيم هائل لا يوصف من اللهب والصوت المروّع. “ما فهمنا شو صار بلحظتها، لقينا حالنا بالأرض وسمعنا صراخ الناس من حولنا”، يقول الدكنجي ابو جورج، “مرق عليي حروب كتيرة بزماني لكن متل يللي صار بهالانفجار ما شفتو بعمر عمري”.
5 آب 2020، كان بدأ الصباح يتسلل مستحيا، متثاقلا، خجولا، مكللا بحزنه، كيف سيلقي صباحه على بيروت؟ ماذا سيقول للناس التائهة في شوارع النكبة؟ قبل ليلة انقلبت الحياة رأسا على فاجعة الفواجع قي مدينة الشمس، كيف سيجرؤ صباح مدجج بهول الموت والدمار ان يصبّح على الناس؟ في شوارع الاشرفية دمار شامل، قرقعة الزجاج يعلو صوتها على ما عداها من اصوات. وجوه الناس ملفوحة بالاسى واليأس.
“نحنا مكتوب علينا نموت تـ يعيش حسن نصرالله وميشال عون ونبيه بري؟ ليش نحنا بدنا نموت عنن وهني وولادن يعيشوا وينهبونا”، تصرخ السيدة التي بدت اثار الشظايا واضحة على وجهها “شوفي شو صار بوجي وايديي كلن قزاز، بس الحمدلله ما حدن مات من عيلتي بس قرابتي ماتت بنتها. ليش بدن يموتوا الصبايا والشباب تـ يعيشوا ختيارية النحس؟” وذهبت الى غضبها الشديد تبحث عما تبقى من منزلها المتناثر على الرصيف.
غيّرت الاشرفية ملبسها. خسرت الانيقة حضورها في ألوان الفرح. دمار شامل، كأن الالوان تركت الوانها ليسود الرمادي والاسود. لبست بيروت اسودها ونعيقها وراحت الى غيبوبة الحزن. عن جد هيدي بيروت ست الدنيا ام فيلم سينمائي عن حرب عالمية ما؟ “لاء حبيبتي هيدي بيروت اليوم، ونحنا مشردين بلا بيوت، بيوتنا بلا بواب ولا شبابيك ولا كهربا ولا مي، مين بيعوّض علينا كل هالخراب؟ وين منروح يا عالم، بأي مغارة منتخبى؟” يصرخ طوني “ما تسألينا عن شعورنا الله يخليكي، ما بقا عنا اي شعور الا الغضب والقرف والحقد، خلينا نلملم بيوتنا من الشارع وشهدائنا من الطرقات وراجعين ع شوارع الثورة يا زبالة السياسيين يا مجرمين وبدنا نجرجر اكبر راس بهالبلد لاخر راس” ويمضي في غضبه مستعجلا لمساعدة والده في ترميم ما افسده الحقد على بيروت.
لحظة الدوي الكبير، لم نفهم ما يجري، قلنا هو الجحيم الذي حجرنا الرب فيه تمهيدا ليوم القيامة. ولما عرفنا حجم المصيبة عرفنا ان الرب لا يحجر ابناءه في الجحيم بل شياطين الارض هم من يفعلون، وفي لبنان وحدهم الشياطين يحكمون لبنان “روحي شوفي المستشفيات شو عم يصير، شوفي مصيبة المصايب، من مبارح والناس عم تفتش ع اهل وولاد ومش عم تعرف شي عنن. هودي شو اسمن بلبنان مسؤولين؟ هودي وحوش مجرمين. قولي لميشال عون يوعى، وللمجرم حسن نصرالله منقلوا جاي يوم ورح تخسر كل ولادك وعيلتك ومش رح نزعل عليك لانك خسّرتنا ولادنا وبلادنا. شوفي كيف علمونا نحقد ونكره، يا ويلن من ربنا” وتهرع ليندا الى سيارة اجرة تقلها الى مستشفى الجعيتاوي لتزور قريبا لها اصيب في الانفجار.
لما تسأل الناس عن اوضاعهم تبدو صغيرا صغيرا أمام هول وجعهم. تواسيهم “الرب حامينا” “ربنا عم يقاصصنا اكيد لان اخترنا هيك طبقة سياسية، لان خربنا بلدنا، لان ما احترمنا هالارض متل ما لازم” يقول بشير ولما سألته “عندك اضرار بالبيت؟” لم يتمكن من الاجابة، غرق في البكاء “ضاع لبنان ضاع لبنان” وهرب من دمعه الى… دموعه.
وجوه الناس في ذاك الصباح بدت ليلا دامسا. عيونهم رامشة على الهمّ، قليلة هذه الكلمة، الهمّ، عيونهم صارت ملفى لكل ما هو سلبي موحش حزين يائس، “فقدنا الامل مش بلبنان ولا بحالنا، فقدنا الامل من انسانية الوحوش لـ حاكمتنا. مش حرام علين خيرة الشباب والصبايا ماتوا، شوفي صبايا وشباب الدفاع المدني، باي حق بيخبوا مواد خطرة هالقد بالمرفا. بحياة عمرنا ما رح نرتاج قبل ما نشوف المشانق معلقة لهالطبقة الساسية المجرمة بلبنان ومن هلا منقلن رح نطالب بإعدامكم بالقوة يا مجرمين”، صرخت ميريللا.
بدأ الوقت يتثاقل في شوارع الاشرفية. نزل المسا بجنون غير متوقع. هرب النهار من عار اللحظة المدوية بموتها وبقي الليل لليل الهواجس والالم. في آخر الشارع الطويل الممتد من مار مخايل حتى الجميزة وقت سيدة مسنة تبحث بين الركام، “ع شو عم تنبشي تيتا؟” نظرت باستغراب شديد، “عم فتش ع ولادي. كلن صاروا مع لبنان تحت هالحجار، بتساعديني لاقيهن؟”… يا الله اي حقد هذا على بيروت يتمكن من دفن وطن وهو بعد حي؟
