الغضب الذي عمّ لبنان، أمس، ضد تكليف الرئيس نجيب ميقاتي رئاسة الحكومة لم يكن بشكل أو بآخر ضد شخص ميقاتي إطلاقاً، بل ضد الطريقة التي تم التعامل بها مع الرئيس سعد الحريري، والتي بدئ بها بوضع فيتو من أمين عام "حزب الله" السيّد حسن نصرالله على الرئيس سعد الحريري، لتستمر باستفزازات تمثلت بتجمعات في شوارع وزواريب بيروت من ذوي القمصان السود والمقنعين الذين تجاوز عددهم في كل تجمع أكثر من أربعمائة عنصر، فأرهبوا بيروت، وزرعوا الرعب في قلوب النساء والأطفال، وتسببوا بإقفال المدارس والمحال التجارية، وشلوا الحياة في يوم مشؤوم من الأيام التي عوّدونا عليها، ولم يقف الأمر عند هذا الحد في الطريقة (السيناريو) المرسومة، بل تعداه، حسبما تردد، عن تهديد لرئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط بنشر مئات المسلحين من "حزب الله" في القماطية، وتلا ذلك استدعاء جنبلاط الى دمشق وإقناعه بطريقة أو بأخرى بالتخلي عن الرئيس سعد الحريري والابتعاد نهائياً عن فريق الرابع عشر من آذار، وهذا لم يكن خافياً على أحد، إذ ان وليد جنبلاط ألمح إليه خلال مؤتمره الصحافي الشهير حيث قال: "لا تحملوني أكثر مما أحتمل".
تعود هذه المواقف مجتمعة من قبل فريق الثامن من آذار، خصوصاً "حزب الله" و"أمل"، الى ماض قريب، حين أجمعت الطائفة الشيعية الكريمة على انتخاب الرئيس نبيه بري لرئاسة مجلس النواب، وطرح الامر على الرئيس سعد الحريري للحصول على دعمه، فلم يكن من الرئيس الحريري إلا القبول والتلبية فوراً والموافقة على ما تم طرحه، وبالفعل تم انتخاب نبيه بري رئيساً لمجلس النواب، بينما فريق الثامن من آذار تعامل عكس ذلك، ولم يراع الإجماع السني الذي يحظى به الرئيس سعد الحريري، وبالتالي تم وضع الفيتو عليه في محاولة لإقصائه عن رئاسة الحكومة، وهو الذي يتمتع بأكبر كتلة نيابية، ويحظى بأكبر نسبة تأييد شعبي من فريق الرابع عشر من آذار، ومن الطائفة السنية على وجه الخصوص، ولم يراع الفريق الآخر أبسط قواعد الديموقراطية في تشكيل الحكومات.
في النتيجة، فإن لبنان بلد وفاقي، لا يقوم إلا على التعددية والتوافق، وهو محكوم بالديموقراطية، ولا وفاق مع فئة تحمل السلاح وتهدد به بكرة وعشيّاً، لتفرض رأيها على الآخرين بقوة هذا السلاح، إذاً، لا التقاء لفريق ينشد الحوار مع فريق عنوانه التهديد بالويل والثبور وعظائم الامور، وفات الفريق الآخر أنه لا يمكن لطرف أن يلغي الطرف الآخر مهما امتلك من قوة وجبروت.
كنا نتمنى لو تم التريّث قليلاً، والاحتكام الى لغة العقل والمنطق، لأن تكليف أحد غير الرئيس سعد الحريري تشكيل حكومة لن ينهي المشكلة، بل نؤكد أنها بدأت ولا يعرف أحد متى وكيف ستنتهي.
إن الاسلوب الذي اتبع، والسيناريو الذي تم تنفيذه لإسقاط الحكومة يجافي أبسط قواعد الديموقراطية، فهل الضغط على الوزير "الوديعة" عدنان السيّد حسين ليقدّم استقالته ممارسة ديموقراطية؟
وهل ظهور السيّد حسن نصرالله وإطلالاته المتوالية وتهديده بأن ما قبل القرار الاتهامي هو غير ما بعده يعتبر ممارسة ديموقراطية؟
وهل سيل التهديدات الجارف من رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد، وتهويله على اللبنانيين، وتوعدهم، ممارسة ديموقراطية؟
وأيضاً.. وأيضاً الكثير الكثير من الممارسات التي غطيت برداء الديموقراطية ومضمونها قهر الآخر وزرع الرعب والخوف بقوة السلاح.
نعم، وقع الانقلاب الديموقرطي… بالسلاح.
نعم، بالسلاح.