.jpg)
مهداة الى ريات ندى 4 آب
مقدمة ساحقة: يخلط البعض بين مفهوم الكرامة، وبين معاني الكبرياء والإفراط في الاعتزاز، في حين ينبغي الفصل بينها، فهكذا ترشد الحقيقة. إن الإنسان يكتسب المعاني من محيطه، بينما الكرامة لا تمنح، بل تولد مع تشكل جبلة الإنسان، في رحم أمه، وتبقى معه كقيمة مجردة، حتى مماته.
أما لماذا بدأت بهذه المقدمة، والبعض يظن بأنها لا تنتمي الى الموضوع المشار إليه في العنوان، فلأذكر أصحاب الهامات غير المستقيمة، والمتهالكين على كراسيهم المتخلخلة، بأن الكرامة موقف، والموقف ثبات، والثبات نزال بين الاستقامة على الحق، وبين التقهقر والتنازل حتى الذل. وهؤلاء، لم يكونوا، إزاء الكارثة الفاجعة، وأمام صور الذين خسروا أرواحهم، من دون كرامتهم، بين أشلاء وطن، إلا أقبيةً عفنةً، وهمجيةً عقيمةً لطأطأة الجبين، وهذه، لن تبعث حيةً، حتماً.
صلب الوجع: إن ما يمس كرامتنا بذاتها، هو طرطشة دماء أبطال، من عندنا، وجه مرفأ حفرت الشهادة في خديه أثلاماً من الحزن. ودخل في تشابكية سبْي قلبه بالألم، فتقرح جثةً لم يسمح بإعادة تدويرها…
عرض يدمي الوجدان: ويعود هذا المرفأ، في كل لحظة، الى ذكراه، فيغوص في وجع يترسخ، ويعصى
على كل عزاء. ويروح يتذكر، ويبكي. ويتمنى لو يستطيع أن يقتلع نفسه من مطرحه، ليزور قبر من سقطوا في حضنه، ويذرف ولو دمعة، هي وحدها الدمعة الصادقة، رسمياً، في سيل الدموع الاصطناعية البلهاء التي يحاول ممتهنو الجبانة استغلالها، لتزوير حقيقتهم البائسة. ويجمد المرفأ، بذهول، أمام “لن ننساكمْ أبداً”، ويغضب. فهو، وحده جدير بهذا الشعار، وقد بات وجوده مختزلاً به. يغضب ممن وظفوا قدسية الشهادة ليعيدوا بناء أطلالهم مجداً زائفاً، دفع غيرهم ثمنه، باهظاً… يغضب من الذين استثمروا سقوط النسور، فلملموا بعضاً من ريشها ليموهوا به سقوطهم… يغضب من المنحرفين الذين نحروا شرفهم الوطني، بتسميتهم الجريمة حادثة… يغضب من مدمني الكذب، والتلفيق، والشوفانية الرخيصة، والعمالة الموصوفة، لتغطية العتاة الذين باتوا، عندهم، عبيداً مثقوبي المشفر.
ويثور المرفأ، فهو لن يبرئ من نطقوا، باطلاً، باسم الشهداء، وأقسموا، كذباً، بأنهم لن يتركوا القضية إلا والتحقيق قد أظهر المسؤولين والمتورطين! وينتفض المرفأ في وجه هؤلاء المخادعين الأنجاس الذين ما وفروا وقاحةً إلا وفحت بها ألسنتهم، هؤلاء الجهلة الحمْقى الذين أولموا للحقد في قلوبهم، هؤلاء الضالين الممعنين في المعاصي، والذين وقعوا عقدًا أبديا مع الذل، هؤلاء الذين لم يتعلموا أن المناسبات السيئة تصبح دروسًا مفيدةً لغير المعتوهين، هؤلاء ” الشجعان ” في التواري أمام المحن، والمتبجحين بالانتصارات الوهمية، هؤلاء الذين سحقوا كرامة الوطن، وادعوا صفوة الأنبياء، وهم ليسوا سوى مقْترفي موبقات.
ويسخر المرفأ، بازدراء، من الذين مارسوا القرصنة على المجتمع اللبناني، مراراً، وزاولوا التضليل البغيض الذي استمال جهالًا أمنوهم على الكثير، فاستباحوه، ولم يكونوا أمناء، حتى على القليل من ثوابت الوطن، لكنهم استماتوا في تأمين تغطية مشبوهة لمشروع هدْم الدولة، وتحويل الوطن الى مجتمع حرب، لا مكان فيه لآمال الأجيال الطالعة.
الكرامة نهائية الموقف: ويعود المرفأ الى “مثواه”، وفي وجهه صورة الممسوسين مزيفي الوطنية والكرامة، الذين زجوا الناس في أتون الإبادة، يراهم المرفأ، وبكل صفاقة، يضعون زهراً على أقدامه، فيتمنى لو يهدم نفسه فوق أولئك الدجالين، عله يغسل، بذلك، عارهم الى الأبد.