.jpg)
على الرغم من غرق البلاد في مستنقع الأزمات الاقتصادية والمالية والصحية مع استفحال تفشي كورونا، وترددات كارثة جريمة انفجار مرفأ بيروت، لم يبادر رئيس الجمهورية ميشال عون، حتى الآن، إلى تحديد موعد للاستشارات النيابية الملزمة لتكليف رئيس بتشكيل الحكومة الجديدة. في حين يبدو أن فترة تصريف الأعمال لحكومة حسان دياب ستطول. كل ذلك، على وقع الدخول الدولي والإقليمي المكثف على خط الأزمة اللبنانية، والذي فرضه تفجير المرفأ المروع.
مدير مركز المشرق للدراسات الاستراتيجية الدكتور سامي نادر، يرى، عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “من يسيطرون على السلطة يمكنهم أن يشكلوا أي حكومة يريدون. فهم يمتلكون الأكثرية، ويمكنهم أن يعيدوا تشكيل حكومة مشابهة لحكومة دياب، أو مثل حكومات الوحدة الوطنية”.
لكن نادر يلفت إلى أن “السلطة تواجه مشكلتين اليوم، لأن أي حكومة تشكَّل لديها أولاً مشكلة الشارع الذي يغلي. فيمكن التأجيل واتخاذ تدابير طوارئ بحجة كورونا لأسبوعين مثلاً، لكن بعد ذلك ما العمل؟ وثانياً، الفريق الحاكم يواجه مشكلة مع المجتمع الدولي، والسبب أنه لم يبقَ ليرة في الصندوق (الخزينة)، ولا مع الناس والمودعين كي يأخذ أموالهم لتمويل الصندوق”.
ويضيف، “في صناديق الدولة لا يوجد قرش، وهي متعثرة. ولدى اللبنانيين لم يبقَ أموال تُذكر، والودائع في المصارف تبخّرت. نعم يمكنهم نظرياً تشكيل حكومة كما أشرنا، لكن كيف ستعمل الحكومة العتيدة وماذا يمكنها أن تعمل؟ بالتالي لا خيار أمام الفريق الحاكم إلا التواصل مع المجتمع الدولي”.
ويعتبر نادر، أن “أي خيار يمكن أن يلجأوا إليه خارج إطار المجتمع الدولي، هو خيار تدهور”، معرباً عن اعتقاده أنهم “واعون لهذه الحقائق، حتى وإن كانوا في حالة إنكار. فهم ظنوا مخطئين أن كارثة المرفأ كسرت العزلة الدولية، وأن العالم هبَّ لمساعدة لبنان وسيُغدق الأموال، وسيتمكنون بالتالي من إعادة القديم إلى قدمه والاستمرارbusiness as usual”.
وإذ يشير إلى أن “تمنيات السلطة الحاكمة لم تصح”، يشدد على أن “كلام مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون السياسية ديفيد هيل في زيارته الأخيرة إلى لبنان، كان واضحاً. وحتى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أكد لمن التقاهم، وعلناً، ألا مفر من الإصلاحات للحصول على الأموال”.
من جهتها، تعتبر أوساط سياسية مراقبة، عبر موقع “القوات”، أن “تدويل الأزمة اللبنانية بات تحصيلاً حاصلاً، ولا صوت يعلو على صوت أميركا، مهما حاول عون ومن خلفه حزب الله المكابرة”، معتبرة أن “الأساطيل المرابطة على بعد كيلومترات قليلة من الشاطئ اللبناني، ليست هنا فقط للإشراف على توزيع المساعدات على العائلات المنكوبة من جريمة المرفأ”.
وتعتبر المصادر ذاتها، أن “كل الحجج التي تساق غير منطقية وساقطة، من قبيل التذرع بالاتفاق على التكليف والتأليف معاً. خصوصاً متى تبيَّن أنها محاولات يائسة لتعويم النائب جبران باسيل، الذي بات بحكم الفاقد لأي مصداقية محلياً وعربياً ودولياً. وهذا ما بدا واضحاً في استثناء هيل، باسيل، من جدول لقاءاته في بيروت، واضعاً إياه في المرتبة ذاتها مع حزب الله”.
بدوره، يؤكد نادر “ألا شيء اسمه مبادرة فرنسية مستقلة، بل هناك مجتمع دولي وتنسيق كامل في هذا السياق”، موضحاً أن “هناك وساطة فرنسية، لكن هناك قرار حاسم لدى المجتمع الدولي عبَّر عنه هيل بأوضح صورة. إذ مع تشديده على عدم التدخل في طريقة تشكيل الحكومة، لكنه قال علناً، المساعدات مقابل الإصلاحات، مؤكداً أن (هذه لحظة الحقيقة للبنان، ولا يمكننا قبول المزيد من الوعود الفارغة والمزيد من الحكم غير الفعال، وأميركا وشركاؤها الدوليون سيستجيبون للإصلاحات المنهجية بدعم مالي مستدام، عندما يرون القادة اللبنانيين ملتزمين بتغيير حقيقي، بتغيير قولاً وفعلًاً)”.
ويرى أن “السلطة الحاكمة في مأزق وتضع لبنان معها في المأزق، وهي غير قادرة على الخروج أو إخراج اللبنانيين منه. وكما أشرنا، يمكنها اللجوء إلى كل الخيارات على النمط القديم، لكنها تعرف أنها خيارات ستفاقم الأزمة والعزلة الدولية. بالتالي، لا يوجد سوى خيار عملي واحد، حكومة مستقلين تعيد الربط مع المجتمع الدولي والشارع”.
ويعتبر، أن “المتحكمين بالسلطة غير مستعدين حتى الآن كما يبدو. وحين نراهم يماطلون ويؤخرون استشارات التكليف وتشكيل الحكومة الجديدة، فهذا يعني أن الإيرانيين يريدون شيئاً في المقابل. لذلك يمكن ربط المسألة بالانتخابات الرئاسية الأميركية في تشرين الثاني المقبل. فلسان حال الإيرانيين يقول، لماذا نعطي في لبنان ولم نأخذ شيئاً، علماً أن لبنان بالنسبة إلينا ورقة ضغط في المفاوضات مع الأميركيين الذين لا يقدّمون شيئاً؟”.
غير أن نادر يتوقع أنه “بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، الإيرانيون والأميركيون ذاهبون إلى Deal، لكنها ستكون صفقة وفق الشروط الأميركية”، موضحاً أنه “في موازين القوى، إيران انحسر نفوذها في الفترة الأخيرة واقتصادها يعاني وفي وضع كارثي. وتدرك إيران أنها مضطرة للذهاب إلى اتفاق مع الأميركيين، لكنها تحاول كسب الوقت وتأجيله إلى ما بعد الانتخابات الأميركية، لعلها تفاوض المرشح جو بايدن بدلاً من الرئيس الحالي دونالد ترمب”.
من ناحيتها، تلفت المصادر السياسية المراقبة، إلى أن “سلة الشروط التي حملها هيل وشدد، بطريقة واضحة على المسؤولين بضرورة تطبيقها وإلا لا مساعدات، تعكس ثبات الموقف الأميركي الضاغط. بالإضافة إلى تأكيده بحسب المعلومات على إعطاء مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط ديفيد شنكر، الذي سيقوم بزيارة قريبة إلى بيروت، جواباً نهائياً حول العرض الأخير الذي قدّمه للمسؤولين لإقفال ملف ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل”.
وتشير، إلى أن “حماسة ماكرون تصب في السياق ذاته، بالنسبة للأزمة عامة والحكومة الجديدة خاصة، قبل ومع وبعد زيارته إلى بيروت، التي يعود إليها في الأول من أيلول المقبل لمناسبة الذكرى المئوية الأولى لإعلان دولة لبنان الكبير. علماً أن المبادرة الفرنسية تتم بالتنسيق المباشر مع الإدارة الأميركية وموافقتها، بل تحت رقابة واشنطن، إذا صح التعبير، وسقف شروطها والعقوبات”.
