كتب بيار عطاالله في صحيفة "النهار": ما أن رفع الرئيس امين الجميل سماعة الهاتف وطلب الرئيس المكلف نجيب ميقاتي حتى بدأت الهمهمات والثرثرة تنتقل مثل النار في الهشيم وفحواها أن "الكتائب تريد المشاركة في الحكومة" و"الكتائب تريد ان تستعيد تجربة الثورة المضادة او الثورة البيضاء عقب حوادث 1958"، وصولاً الى آخر المعزوفة على وتر خروج الكتائب عن تحالف 14 آذار تحت عناوين مختلفة.
لكن الاكيد ان رئيس الكتائب اتصل بالرئيس المكلف مستنكراً حوادث الشغب وكل اساءة الى ميقاتي، ذلك ان الرئيس الجميل يكن له وداً وصداقة واحتراماً لأسباب عدة، لكن قرار الحزب النهائي لم يتخذ بعد في انتظار اجتماع تعقده الهيئة القيادية في الحزب الاحد على ما تؤكد الاوساط الكتائبية.
وما طرحته كتلة نواب الحزب عقب لقاء الرئيس ميقاتي في مجلس النواب يصلح ان يكون العنوان الذي يتموضع خلفه حزب الكتائب في انتظار صدور موقف معين عن الرئيس المكلف يتعلق بمنحى البيان الوزاري وتوجهاته على رغم مقولة ان البيان الوزاري معد سلفا.
والأكيد ان الحزب لا يريد التسرع في اطلاق الاحكام والنعوت كما فعل الآخرون والمسألة برمتها تحتاج الى عناية ودرس وعدم اطلاق الاتهامات جزافاً، خصوصاً في حق الرئيس ميقاتي، والرأي لدى دوائر كثيرة في الكتائب ان اوضاع بقية مكونات التنوع اللبناني افضل من أوضاع المسيحيين، فالشيعة يمتلكون حضوراً طاغياً يكاد يلامس حدود الهيمنة على الدولة برمتها وفي أدق تفاصيلها، والسنة في حال مريح عموماً على مستويات عدة، في حين أن الوضع المسيحي دقيق وخطر جداً ولا يتحمل اخطاء او مراهنات ومغامرات، سواء في مستوى الحضور في مؤسسات القطاع العام المدنية منها والعسكرية، او في المستوى الاقتصادي والاجتماعي البنيوي.
وتشرح اوساط الكتائب ان الاتهامات التي كيلت للرئيس ميقاتي "مرفوضة، فالرجل له حضور في بيئته السنية ومتدين ولا يمكن اتهامه بأنه موظف لدى "حزب الله" جزافاً". وأن مقاربة الكتائب الهادئة للتعامل مع ملف تشكيل الحكومة الجديدة تنطلق من خشية تكرار تجربة 15 عاماً مدمرة للمسيحيين بين 1990 و 2005، عندما عمد النظام الامني الى تمثيل المسيحيين بغير ممثليهم الحقيقيين في السلطتين الاشتراعية والتنفيذية، مما أدى إلى نزف كبير للحضور المسيحي في مؤسسات القطاع العام وصل الى حدود الانسحاب شبه الكامل واختلال التوازن بقوة. ثم كانت سلسلة ضربات للمسيحيين ابرزها مرسوم التجنيس الذي أخلّ في شكل فادح بالتوازن الديموغرافي من خلال تجنيس حوالي 10 في المئة من عدد سكان لبنان ومن لون معين.
وفي خضم الخشية من استعادة هذه الصورة القاتمة، تتدارك الاوساط ان الكتائب لا يريد ان يكون شاهد زور، وكل كلام عن المشاركة يجب ان ينطلق من التفاهم على بيان وزاري واضح وهذا ما ليس جلياً حتى الساعة، على رغم تكرار الرئيس ميقاتي اعلان عدم التزامه اي تعهدات. وترد الاوساط على إشاعة فرضيات مشاركة الكتائب بالتذكير بما جرى قبل مدة حين زار الرئيس السوري بشار الاسد القصر الجمهوري في بعبدا، وكانت بليغة آنذاك عدم دعوة الرئيس الجميل والدكتور سمير جعجع الى الغداء "فكيف سيقبلون اليوم بدخول ممثليهما الحكومة؟". والمقصود ان الادارة السورية وقوى 8 آذار تريد الاستحواذ على كل حصة المسيحيين وستفرض موقفها على الرئيس المكلف.
الخلاصة في كلام اوساط الكتائب ان الحكومة والبلاد في أزمة وطنية كبرى وان التعامل مع ملف المحكمة الدولية وسلاح "حزب الله" يحتاج الى اجماع وطني ومقاربة شاملة وليس الى مزيد من التوتر، لان الخلاف ليس على مقاعد وزارية وحصة هذا الطرف او ذاك، بل على احترام قواعد العيش المشترك بين اللبنانيين. وتعود أوساط الكتائب الى قول رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون ان احداً لن يستطيع الغاء المحكمة الدولية للاشارة الى خطورة الازمة التي تلزم ميقاتي العودة الى طاولة الحوار، على ما قال وصرح تكراراً.
ولا يقيم حزب الكتائب مقارنة بـ"الثورة المضادة" التي قادها الشيخ بيار الجميل المؤسس عقب حوادث 1858 ضد حكومة الرئيس رشيد كرامي، فالزمن تغير واللعبة السياسية تغيرت كذلك، وحزب الكتائب لن يعود الى لغة السلاح والحروب التي خبرها جيداً، لكنه في الوقت نفسه لن يفرط بدماء الشهداء ومن بينهم "مؤسس الحزب الثاني بيار امين الجميل"، وليس وارداً عند الحزب التخلي عن المطالبة بالعدالة ومعرفة حقيقة من قتل قادتها وقادة قوى 14 آذار. وفي اختصار شديد ينتظر حزب الكتائب جواب الرئيس ميقاتي الذي قد لا يأتي ابداً.