بحفنة من الدولارات؟!
مرة اخرى السيادة ممسحة. ان لم يكن للأقدام القذرة وقد عرف اللبنانيون كثيرا من القذارات التي أُلحقت بسيادتهم. فعلى الاقل هي ممسحة للافكار القذرة. بعدما وصلنا في الانقسام والتفاهة، الى درجة ان هناك في المنطقة من يعطي لنفسه حق الاقتراح او التقرير في مسألة الحقائب الوزارية في الحكومة اللبنانية العتيدة، وما اذا كانت سيادية ام لا!
كان يمكن ان يواصل اللبنانيون ابتلاع المرارة، وهم يراقبون هذا النزاع المهين بين السياسيين حول ما يسمى حقائب سيادية في وقت لم تجف بعد الوحول التي غرقت فيها سيادة هذا البلد، عندما وقع في ازمة مستعصية لمدة عامين تقريبا. وهي ازمة لم تنته شكلا الا على ايدي الآخرين في الدوحة، وبعدما توافرت ظروف وتطورات مؤاتية، تقاطعت وراء جدران اقليمية – دولية مقفلة.
❑❑❑
الأنكى من كل هذا ان هناك تقارير متزايدة تتحدث عن "رشوات" بملايين الدولارات دفعت لحل عُقد بعض الذين كانوا يقفون في وجه الحل وانتخاب رئيس للجمهورية. هؤلاء الذين قبضوا في قطر على ما افادت تقارير نشرت في جريدة "ايلاف"، جاؤوا الى بيروت وأمطرونا تنظيرا في السيادة والنزاهة وحقوق الطوائف، وما الى ذلك من المزاعم!
ثم بدأت مرحلة جديدة. انها تكرارا مرحلة الاستثمار في التعقيد والعرقلة، ربما بهدف القبض مرة ثانية لتسهيل تشكيل هذه الحكومة التعيسة التي ستولد في النهاية قيصريا ومن رحم التأزيم الذي لا يمكن حله الا عدا ونقدا على ما يبدو!
❑❑❑
آخر البدع لا بل آخر الاهانات التي توجّه الى الشعب اللبناني (هل هناك شعب يسمح بكل هذا التعهير اللاحق بالوطن والسيادة؟) تتمثل في ان هناك في هذه المنطقة من يعطي نفسه حق القول مثلا ان وزارة العدل سيادية ايضا، وذلك في محاولة لحل ازمة التشكيل الحكومي الناجمة كما هو معروف عن اصرار المعارضة على ان تحظى بحصتين سياديتين، اي المالية والخارجية، بما يتناقض مع روح الاتفاق الذي وقّعه الجميع في الدوحة. وبما يجعل من الاكثرية مجموعة من الايتام المحرومين!
واذا كان شرش الحياء قد طق منذ زمن بعيد عند البعض في لبنان، فانه يطقّ الآن في بعض ارجاء هذه المنطقة، وخصوصا عندما يسمح البعض لنفسه، وربما بنية حسنة ان يصنف الوزارات في لبنان سيادية وغير سيادية!
❑❑❑
واذا كانت العقد التي حالت حتى الآن دون التفاهم على التشكيلة الحكومية تمثل اهانة لكل اللبنانيين. وهي اهانة يتم تسويقها على انها عملية "تحصيل لحقوق ضائعة" او عملية "تعويض عن حق ضائع" وهو ما يزيد من استغباء الناس وهناك بعد من يصدّق، اذا كان كل هذا صحيحاً، فليس كثيراً ان تصبح السيادة اللبنانية مثل الاسهم في بورصة المبادلات!
❑❑❑
في اي حال ان الاهانة الموصوفة الاخرى، هي في ذلك التنكر لوزارة الطاقة التي تم حلبها في الاعوام الماضية وباتت الآن مع مشكلة الكهرباء وكذلك مع غلاء اسعار الطاقة تمثل جمرة تحرق الاصابع، وهو ما يجعل المستوزرين من الطرفين يرفضونها وكأنها طاعون!
ان الحد الادنى من الموضوعية والاخلاقية يدفع الى القول ان وزارة الطاقة هذه هي اول وزارة سيادية وبامتياز، ليس لأن عصب دورة الحياة الانتاجية العامة ودورة الاقتصاد والسياحة والصناعة تتعلق بها فحسب، بل لأن الذين يظنون دائماً ان اجنحة الطهارة الملائكية نبتت فوق اكتافهم وجعلت منهم رسلاً للاصلاح ومحاربة الفساد يمكنهم من خلال هذه الحقيبة كشف تاريخ طويل من الفضائح التي ساهمت في دفع البلاد الى حافة الافلاس، وكذلك كشف تاريخ طويل من السمسرات والصفقات القذرة التي جعلت شركة الكهرباء تكلف اللبنانيين ثلث الدين العام والحبل على الجرار.
ايها السادة لقد مرغتم سيادة لبنان بالوحول. ويكفينا ويكفيكم ايضاً توجيه الاهانات الى الناس عبر الحديث عن سيادة تبيعونها بحفنة من الدولارات!