#dfp #adsense

بديل “اتفاق الدوحة” حروب تقسيمية فاصلة؟

حجم الخط

بديل "اتفاق الدوحة" حروب تقسيمية فاصلة؟! 

حتى كتابة هذه السطور، كان "العمل" على تأليف أول حكومة في عهد الرئيس سليمان وبعد "اتفاق" الدوحة على نيران مشتعلة، بالألسن، وبالتصريحات، وبالتوتير الأمني، وبتناهش الحقائب، خصوصاً من قبل "زُهّاد" هذا العصر و"نسّاكه"، وعفيفي الأيدي والنيّات. عال! المشكلة ليست في هذا "التناهش" الذي يصل حد "البلطجة" فهذه أمور خبرناها وعلمناها على امتداد تواريخ تأليف الحكومات منذ الاستقلال وحتى اليوم. وليست المشكلة في أن يستشرس بعضهم على ما يُسمى "حقائب" سيادية الى حد أخذ حصته وحصة سواه باسم "المشاركة" العادلة، فهذه أيضاً من تراثنا التليد. وليست المشكلة في أن يناور هذا الفريق أو ذاك لاقتناص ما يريد اقتناصه من فرص سانحة للسيطرة ولو كان من غير أكثرية معروفة. المشكلة في أن بعض المتهافتين على المناصب والاستكراس في ظل الدولة، إنما يحاولون "نهش" الدولة عبر مطالبهم وشروطهم واقتناصهم ما تبقى منها بعد سلسلة الانقلابات الدموية والاستعراضية والعنفية، والاعتداءات المبرمجة على الممتلكات والأحياء والناس، ونظن أن وراء تناكب بعضهم على ممارسة هذه السياسة، لا يهدف، في العمق الى تعزيز دور الدولة والمؤسسات عبر المشاركة الفعلية فيها، وإنما الى تفريغها من كل حضور فعلي، ببناها، ورموزها، ومجتمعها المدني وغير المدني. بمعنى آخر محاولة العودة الى اتباع طرق غير شرعية، لضرب أدوات المجتمع، الذي، هو الأساس المادي للنظام والمشكلة… والدولة. تكون في الدولة بفاعلية يعني أن تكون ضدها بفاعلية. أن تسعى الى "فرض" شروطك أو الى التمسك بها، يعني أن تكون الشروط فوق الدولة والمجتمع وعلى حسابهما.

هذه هي المعضلة. ولو كانت غير ذلك، لما قلق الناس، ولكانت عملية التأليف مشابهة لكل مثيلاتها السابقة. ولكانت علامة صحية لتعزيز متطلبات الناس وأسبابهم وهواجسهم وحاجاتهم. إذاً، الحياة السياسية هي المستهدفة، هذه الحياة السياسية التي يكفلها الدستور في حرية التعبير، والتحرك، والاقامة، وممارسة الحقوق المدنية والانسانية. والواقع (وهو مريب) يختلف تماماً على الأرض، وفي الأقبية المظلمة (المخابراتية)؛ فعلى الأرض أي في الشارع "حكومة" شغب "تؤلف" بالتهويل الاعلامي والسياسي، والاعتداءات، والتوتير، والتخويف، والترويع: فكأن هذه "الحكومة" (الأحادية) الزقاقية هي التي تنال ثقة "الخارج" والمسلحين وقياداتهم "المظفرة" (بإذنه تعالى)، وهي التي من استراتيجيتها وبرنامج عملها، وتكتيكاتها، المرحلية والبعيدة المدى، إبقاء المناخات الانقلابية طاغية ومتكاثفة، ومتنقلة بخفة الغزلان، في عدوانها على الناس، وعلى الجيش، والقوى الأمنية، والاقتصاد، وعلى موقع رئاسة الجمهورية وصولاً الى الحكومة العتيدة.

الشارع المفخَّخ إذاً بالقوة المستنفرة في تشكيل الحكومة ليكون مشاركاً موازياً لها، لدى تأليفها وبعده؛ أي ليكون شرعية أخرى توازي الشرعية التنفيذية، لكي لا نقول تفوقه تأثيراً: سيف مصلت فوق الحكومة، يلوّح به هنا، ويستعمل هناك.
ولو أخذنا ما يدور على الأرض، وما ينفذه "المعارضون" بفاعلياتهم الأساسية، ومستتبعاتهم، وطرابيشهم وواجهاتهم (أبرز الواجهات جنرال العفة والتقشف والتنسّك والتعالي ميشال عون)، لوجدنا أن ظواهرها التي تتأكد يوماً بعد يوم تتركز على:

1 ـ إدامة حالة الارتباك في المناطق، واستحضار الاستنفار، وتعميق حالة الانقسام، و"الاستبسال" في زرع الفتن وإذلال العُزَّل والمدنيين.

2 ـ استهداف الجيش اللبناني كمؤسسة جامعة (يريدونها أن تكون خاصة ومشرذمة) تحمي المجتمع والحياة السياسية والديموقراطية، وتحفظ وحدة الأرض، وتشهد على السيادة. بهذا المعنى، يحاولون تحويل الجيش اللبناني إما الى "ميليشيا" تابعة لميليشياتهم (كمحميات للخارج)، وإما الى "ظلال" مجرد ظلال، وإما حضور "رمزي"، يتيح لهم الاستقواء بسلاحهم الأحادي (الذي كلف مليارات الدولارات من بيت المال الخارجي بإذنه تعالى)، على الناس، لاستجرارهم الى اللجوء الى "الأمن الذاتي" المذهبي أو الطائفي أو المناطقي، مقدمة لحروب تقسيمية شبيهة بالحروب التي اندلعت منذ 1969 وحتى الآن، تحت شعارات باتت "هزلية" بمضمونها ولغتها. فالجيش المستهدف يعني أن الوحدة الوطنية مستهدفة، والسلم الأهلي مستهدف، والمؤسسات، والاقتصاد، والديموقراطية والمجتمع. ويعني في ما يعنيه، استبقاء سلاح واحد (شرعي فعلياً) هو سلاح حزب الله الذي كان يقاوم العدو (وكنا وراءَه وهذه ليست منّة بل واجب كما كنا مع المقاومة الوطنية وكل أشكال مقاومة العدو الصهيوني) يتحكم بمصير البلد ويحتفظ لنفسه، دون سواه من الخلق، بقرارات الحرب والسلم (وهي قرارات تصنع في الخارج بحمده تعالى). هذا التعطيل المبرمج لدور الجيش الوطني الشامل، يُرمى من ورائه، إعادته الى ما كان عليه أيام العهود السابقة الميليشياوية وما بعدها، لا سيما في عهد "بطل المقاومة" و"أشرف الرجال"، و"صانع التحرير": إميل لحود فأبشروا! أي أن يكون مجرّد جيش صالوني، وفي أفضل الأحوال رديفاً لقوى الأمر الواقع، وهكذا يسقط كل شيء في قبضة هذه القوى، بما يعني ذلك من استرجاع لقوى الهيمنة الخارجية التي خرجت من الباب، لتعود من النافذة.

3 ـ ومن جملة الأهداف التي يتوخاها الذين يريدون تعطيل الجيش (أو استيعابه) إعطاب كل حماية شرعية للناس والدولة والأفراد والمؤسسات. وهذا لا بد من أن "يستحضر" ما يُخشى استحضاره: أن تعود كل طائفة وكل حزب وكل مجموعة تجد نفسها عزلاء إزاء السلاح الأحادي المعلن عليها، أن تبحث عن سلاحها الخاص، والذاتي، خصوصاً بعد كل ما حصل في "الانقلاب" التافه والكوميدي الذي استباح بيروت وبعض المناطق، ووجد فيه الناس أنفسهم أنهم بلا غطاء شرعي ولا حماية من قبل جيشهم وقواهم الأمنية. فليكن إذن لكل طائفة ومجموعة وملة وحلة جيشها، وأدواتها، وتالياً إداراتها المدنية لكي لا أقول جمهورياتها "الكانتونية" أسوة بالجمهورية الكانتونية الحزبية شبه المكتملة: إنه التقسيم السافر، الذي يرى فيه أصحاب مشاريع الدويلات والبؤر الأمنية فرصة لهم لإعلان "دويلتهم"، فيكون من نتائج ذلك عدة "جمهوريات" وعدة "شعوب"، وعدة "عواصم"، وعدة مرجعيات، وتعود ظواهر "المحميات" الخارجية الطائفية والمذهبية التي كانت سائدة سابقاً! ويقال، في هذا المجال، أن "الجمهوريات" باتت جاهزة بحدودها وتخومها! ويقال ان الذين ذاقوا مرارة الاعتداءات المبرمجة والإذلال والانتهاكات والتهجير في بيروت وسواها (أو الذين ينتظرون دورهم في مناطق أخرى) والسلبطة والبلطجة والزعرنة، لن يوفروا وسيلة لرد كل ذلك عنهم، باللجوء الى "حدودهم" يدافعون عنها بما يتيسّر لهم من الوسائل التي يسهل استجلابها: ومدنيو اليوم مَنْ يعرف ما سيكونون عليه غداً. والحريصون على السلم الأهلي باعتبارهم "أم الصبي" قد ينحون منحى مَنْ يظنون أن هذا البلد فريسة سهلة في أشداقهم ونواجذهم وبراثنهم! إنه ناقوس الخطر! نعم! والذين يعتزون اليوم بانتصاراتهم "الهزلية" ويصدقون أنهم "انتصروا" بالقوة على "العُزَّل"، سيجدون في المستقبل أن الأدوار ستنقلب عليهم، ويكفي أن يراجعوا تاريخ هذا البلد ليعتبروا، ويتعظوا، من باب "العبرة لمن يضحك في النهاية" ولا نظن أن أحداً سيضحك في النهاية سوى العدو الصهيوني، الذي سيغتبط بكونه المنتصر الوحيد علينا جميعاً، عندما يستمتع بسيادة الظواهر التقسيمية، والتدمير الشامل، والحروب الطائفية، وتخريب موقع لبنان. (براو! تحرير!) ونذكّر هؤلاء بالمناسبة: إن بعض القوى سيطرت على كل لبنان بمعية اسرائيل: وكانت النتيجة كارثة عليهم وعلى لبنان! (فاتعظوا يا أولي الألباب!)

4 ـ ضمن هذه "التصورات" يصبح موقع رئيس الجمهورية بلا قيمة، بل يصبح موقع إزاء "رؤساء" جمهوريات الغيتوات والمناطق، وإزاء الميني ـ جمهوريات المبذورة هنا وهناك. ولهذا تحديداً، ركز بتوع 8 آذار "المظفرون" بغير ظفر، والمنتصرون بغير انتصار، ان عليهم اليوم أن "يُحرجوا" الرئاسة لإخراجها. فرئيس بدون جيش، وبدون حكومة مركزية قوية، وبدون مؤسسات، وبدون أمن، هو رئيس بدون دور. لا شيء. فها هم يُنيشنون عليه (كما ينيشنون على الجيش وعلى أهلهم، قلت أهلهم؟ يا لسخرية القول)، يُنيشنُون على الرئيس ميشال سليمان كموقع جامع للجمهورية الواحدة، عبر قرض سلطته، وتلغيم حضوره، وتعريته من كل سند فعلي، ومن ثم لعزله (أو استيعابه كشاهد ظل كإميل لحود: بطل عدة مقاومات ليس هنا فقط بل في كل مكان وزمان! فأبشروا!). ونظن أن خطاب القسم "أجفلهم" كثيراً وهزّ يقينياتهم واغتباطهم النرجسي بأنفسهم، عبر تركيزه على فكرة الدولة القوية وحول سلاح المقاومة، وعلى حق اللبنانيين في المغتربات بالحصول على جنسياتهم، وكان الرد رائعاً: من السيد حسن نصرالله، وكان ذلك من الرسائل "الودية" التي بعث بها أهل 8 آذار الى الرئيس.

ولكي تستكمل رسائلهم "بريدها" السلمي، والجمهوري ها هم يوزعون الفتن، والتوتر، والاعتداءات في المناطق… وعلى الجيش تحديداً! وقد يحركون بعض "البؤر" "النائمة" في المخيمات أو سواها لتأكيد فحوى رسائلهم: أن لا رئيس في هذا البلد فعلياً، وأن أي رئيس سيكون مرؤؤسنا، (أي مرؤوس وصاياتنا!)، وأن أي محاولة لملء المقعد الرئاسي سيكون اعتداء على جمهوريتنا، ودورنا، وسلطتنا "العلية"! براو! وعلى صعيد تأليف الحكومة "أُفلِتَ" جنرال العفة ونظافة اليد والخياشيم من المال والدم، من حزب الله ليعتدي على حق الرئيس ببعض الحقائب السيادية المتعلقة بالأمن… والانتخابات. وها هو جنرال الانتصارات المظفرة في حربي التحرير (المزعومة) والالغاء الحقيقية، بزهده، ورجاحة عقله (!) ونباهة بصيرته (!) يلعب الدور بامتياز، كما لعبه في الدوحة عندما كان يحاول (بالوكالة) عرقلة انتخاب الرئيس التوافقي، ليزعم بعدها بأنه "انتصر" أيضاً عندما "انتزع" حقوق المسيحيين في "القانون الانتخابي" والمضحك أن بعضهم صدقه ولو! أإلى هذا الحد؟ ونظن في هذا المجال أن عون سواء اشترك في الحكومة (والثورة الاصلاحية تنتظره، وما عليكم إلا أن تقرأوا برامجه وأفكاره الموجودة في بعض المجلدات الضخمة والمترجمة الى عدة لغات حية وميتة!)، لن يعدم وسيلة لعرقلة سير "الانتاج" الحكومي، ومسار السلطة، وتعزيز الدولة. فهو جاهز لكل دور: (رجل لكل الفصول) وبراو! وهو جاهز لكل ما من شأنه خربطة الأمور، وإعاقة بناء المؤسسات سواء بمطالب أو باعتراضات أو ربما بتهديد يشهره بكل مناسبة للانسحاب من الحكومة، أسوة ببعض حلفائه!

إذاً نحن أمام استحقاق رئاسي قد تم، ويحاولون تفشيله على الأرض، واستحقاق حكومي قد يمطّونه أو يقبلون تنفيذه تحيناً لفُرص أخرى يمهدون لها عينياً في الشارع، في انتظار "تغيّرات ما" إقليمية أو دولية أو عجائبية أو جراحية، لاستكمال مشروعهم الشمولي. وفي مختلف الأحوال نجد (ونتمنى أن نكون مخطئين) أن تأليف الحكومة لن يكون سوى "ستار" لترتيب العدة "لانتصار" آخر على لبنان. وعلى هذا الأساس لا نظن أن المسلحين الذين "استُنزلوا" و"استُهبطوا" الى الشوارع والأزقة (وهم داخل الأبنية والمكاتب) سيسمحون أو سيلقون سلاحهم. ولا نظن، تأسيساً على ذلك، أن الاعتداءات على المؤسسات الأمنية والمدنية ستتوقف (حتى بعد تأليف الحكومة)؛ ولا نظن أن استهداف الرئاسة والجيش وحتى الحكومة سيكف. كل شيء سيستمر في الحكومة الشارعية (التقسيمية) في موازاة تخريب بنى النظام والسلطة بالسلاح! بالسلاح الحزبي. وهنا بالذات يكمن خطر أن تقوم "حكومات" شارعية مناطقية وطائفية مماثلة في مواجهة حكومة المعدن الأحادية، وعندها، لن يكون مكان لأحد سوى الموت، والخراب وتقسيم هذه الأرض الصغيرة، وتحويلها مربعات أمنية، في ظل حروب أهلية قد تكون (إذا حصلت) أشرس وأدمى من كل الحروب الميليشيوية السابقة!
فهل يتعظ أصحاب الارتباطات بمخططات الخارج، وهل يتعظ متنكبو المجازفات والمغامرات، ووكلاء ما بعد الحدود سواء بولاية فقيه من هنا أو بأنظمة من هناك!

عندها سيكون لكل طرف ولايته وفقيهه يركن إليه وسيكون لكل طرف، دفاعاً عن نفسه أو اعتداء على الآخر، "نظامه" فنحن أيضاً رجال في ولاية هذا الفقيه أو ذاك، و"ما حدا أحسن من حدا" سيقول الآخرون.
واسألوا حروب السابق منذ 1969 وحتى اليوم تحصلوا على الجواب الناجع يا "أولي" الألباب! تذكروا ما حلّ بالكانتونيين والميليشيويين، تعرفوا المصير… المقبل على أجنحة الملائكة والقديسين والأولياء بإذنه تعالى… حتى النصر المبين!
ونظن أن البديل من اتفاق الدوحة (وقبله الطائف) لن يكون اتفاقاً آخر… بل حروب تقسيمية فاصلة!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل