لقاء صفير وسليمان "تأسيسي" للعلاقة بين الكنيسة والرئاسة..
فيما عون لا يزال "يصرف" لحساب "حزب الله"
الدولة هي المشترك بين بكركي وبعبدا و14 آذار ولا حمايات "سياسية" للطوائف
في خضّم "اليوميّات" الضاغطة على الوضع اللبناني والتي تشغل معظم الوسط السياسي في هذه الأيام، أتت زيارة البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير إلى رئيس الجمهورية ميشال سليمان في بعبدا أمس.
البُعد الوطني ـ اللبناني ـ للزيارة
في مثل هذا التوقيت، ولو أن الزيارة إلى بعبدا هي "ردّ" لزيارة قام بها الرئيس سليمان إلى بكركي قبل نحو أسبوعين، لا بدّ أن يكون الشأن الوطني، اللبناني العام، قد حضر عنواناً رئيسياً في البحث بين البطريرك والرئيس. ذلك أن لا مطالب خاصة لرأس الكنيسة المارونية في الحكومة المقبلة وحقائبها، ولا حصة له فيها يدافعُ عنها. ومن البديهي والحالة هذه أن يكون البطريرك حمل إلى بعبدا هواجس لبنانية "عامة".
فاللبنانيون، والمسيحيون من ضمنهم، قلقون هذه الأيام ليس فقط من وضع أمني "قلق"، بل من المراوحة في عملية تشكيل الحكومة التي تعني مراوحة في تطبيق "إتفاق الدوحة" الذي لم ينفّذ منه حتى الآن سوى بندَي إنتخاب الرئيس وتسمية الرئيس المكلّف تشكيل الحكومة فيما التشكيلة الحكومية تراوح مكانها.
التوقيت: عدم التطبيق الكامل لـ"إتفاق الدوحة"
واللبنانيون، والمسيحيون من ضمنهم، قلقون تأسيساً على ما تقدّم من أن يتأخر وضعُ "إتفاق الدوحة" قيد التطبيق "الكامل" فيما الوقائع والمعطيات الإقليمية "متحرّكة" في شتّى الإتجاهات مما يؤدي إلى جعل الوضع اللبناني بلا حمايات.
واللبنانيون عموماً، لكن المسيحيين خصوصاً، قلقون ممّا يتعرّض له الرئيس وموقع الرئاسة بعد ثلاثة أسابيع فقط من "إستعادة" الرئاسة وإنتخاب الرئيس، من ضغط وإبتزاز في سياق عملية تشكيل الحكومة.
ولذلك، فان زيارة البطريرك إلى بعبدا أمس تحملُ هذا البعد "الوطني"، اللبناني، على قاعدة انّ "الأزمة" لا تزال قائمةً بما أن "إتفاق الدوحة" لم يطبّق بكامله إلى الآن، وانّ "المصير الوطني" لم يبتّ نهائياً بعد. وبهذا المعنى، فإنّ البعد الآخر للزيارة هو دعمُ بكركي لموقع الرئاسة في "المعادلة الوطنية"، والتأسيس للعلاقة المقبلة بين موقعي بكركي وبعبدا، أي بين الكنيسة ورئاسة الجمهورية.
"ثنائية" بكركي ـ بعبدا
وثمّة معادلةٌ ـ قاعدة يعرفُها "المتشبّعون" في وعيهم للتركيبة اللبنانية، وهي ان بعبدا غالباً ما تكون بـ"خير" إذا كانت علاقتها ببكركي جيدة ومتينةً. بيد انّ زيارة البطريرك أمس ليست سوى محطة في إرساء العلاقة مع رئاسة الجمهورية، وقد سبقها البطريرك الماروني بمواقف خلال الفترة الماضية تنتقد "التفاصيل" وقد عنى مراراً بـ"التفاصيل" شهوات السلطة والإستيزار المعوّقة لعملية وضع الحكم ومؤسساته على الطريق الصحيح.
وحقيقةُ الأمر هنا، انّ التشديد على البُعد "الوطني"، اللبناني، لزيارة أمس، هو بهدف القول انها أبعد من "الإطار" المسيحي، وليست في سياق بحث في "البيت المسيحي" الذي تتحكّم تاريخياً بشؤونه وتوازناته العلاقة بين "ثنائية" بكركي ـ بعبدا.
الكنيسة ومسيحيو 14 آذار: الالتفاف حول سليمان
ومع ذلك، أي بالرغم من عدم صحة أو دقة تنسيب الزيارة البطريركية إلى شؤون "البيت المسيحي"، فإنّ ثمّة مؤشرات كافية ترسمُ الاتجاهات في إطار هذا "البيت المسيحي".
لا جدال في أنّ الكنيسة، وقد كانت "رأس الحربة" في مواجهة الفراغ الرئاسي وفي معركة إستعادة رئاسة الجمهورية بصفتها تجسّد الموقع المسيحي ضمن الشراكة الوطنية، تقفُ اليوم مع رئيس الجمهورية وتلتف حوله وتدعمه، وتريدُ منه السهر على تعزيز السلم الأهلي وعلى الشراكة وعلى إطلاق عجلة الاستقرار اللبناني.
ولا جدال أيضاً في أن مسيحيي 14 آذار، وقد ساهموا مساهمةً رئيسية في التوافق على الرئيس سليمان، وإذ يعتبرونه رئيساً "فعلياً" للجمهورية، قد وضعوا أنفسهم في تصرّف إنطلاقة جيدة للعهد وفي تصرّف هذا الموقع الأساسي في الصيغة اللبنانية.
عون ورإتباطه بحزب الله
لكن لا جدال أيضاً في انّ الجنرال ميشال عون يقفُ على "المقلب الآخر". ثمّة ما يُشبه "الذهول المسيحي" من حجم الإرتباط بين عون و"حزب الله"، ومن عجزه عن مجرّد "التمايز" عنه بل إستعدادُه لـ"الدفع" إلى ما لا نهاية لحساب "حزب الله". وليس خافياً في الوقت نفسه انّ الجنرال يتدرّج تصاعداً في الخلاف مع رئيس الجمهورية إلى حدّ قطع الجسور معه، وما إعتراضه على حقيبتين سياديتين للرئيس في الحكومة العتيدة إلا مثال على ذلك كله. والحال انّ وضع عون لنفسه في "إشتباك" مع الرئيس، يحصل من جهة في وقتٍ يتجه المسيحيون كما سائر اللبنانيين إلى تطلّب الحماية من الدولة وليس حمايات سياسية من أي نوع، ومن جهة ثانية في وقتٍ يحاول "حزب الله" إستنزاف الرئيس وموقع الرئاسة وإنهاء "وهج" الإنتخاب وإسقاط الإنطلاقة القوية للعهد.
أضلعٌ ثلاثة ومشترك هو الدولة المدنية
من خلال ما تقدّم من مؤشرات، يبدو واضحاً أن ثمة رئيساً للجمهورية، وأن ثمة تموضعَين للكنيسة ولمسيحيّي 14 آذار باتجاه دعم الرئاسة، في حين أن عون على تموضعه نفسه بجانب "حزب الله".
وهذه المؤشرات تفيد أنه عندما يحين أوان بحث شؤون "البيت المسيحي" و"ترتيبه"، سيكون الأمر في عُهدة مثلّثة الأضلاع: الرئيس والبطريرك ومسيحيّو 14 آذار.
والاستنتاج هنا ليس عشوائياً أو انتقائياً. ذلك أن بين الأضلع الثلاثة مشتركاً كبيراً. والمشترك الكبير هو مشروع الدولة، وهو قناعةٌ تترسّخ لدى هذه المواقع المسيحية يوماً بعد يوم بأن الدولة هي التي يجب أن تَحمي جميع الطوائف في لبنان.
في حزيران 2006 أعلن المجمع البطريركي قناعته بالدولة المدنية. وفي 25 أيار 2008 أعلن الرئيس ميشال سليمان في خطاب القسم إيمانه بالدولة المدنية. وخلال السنوات الماضية أعلن مسيحيّو 14 آذار أن خلاص لبنان بالدولة المدنية. وبين الأضلع الثلاثة توافقٌ على أن اتفاق الطائف هو مرجعية بناء الدولة المدنية وهو يتضمّن آليات الانتقال الى الدولة المدنية.
"الطائفيات السياسية"
في زمن الوصاية السورية، كان "مسيحيّو سوريا" يكرّرون أن حماية المسيحيين تؤمّنها الوصاية، ويقولون إن بديلها هو تحويل المسيحيين "أهل ذمّة".
وفي السنوات الثلاث الأخيرة "استعار" الجنرال عون مقولات مشابهة. صوّر "ورقة التفاهم" بينه وبين "حزب الله" على أنها الحماية للمسيحيين، وذلك في وقت كان واضحاً أن "حزب الله" يعمل من أجل دفع كل الطوائف الى الانسلاخ عن مرجعياتها المؤمنة بالدولة، ومن أجل منع بناء الدولة.
بين "مسيحيي سوريا" وعون مشتركٌ يقول إن الحماية تكون "سياسية" أو لا تكون، أي لا تتأتى من الدولة. وهكذا فإمّا أن تُحمى الطوائف من سوريا أو إيران أو لا تُحمى. والبديل من الدولة هو "الطائفيات السياسية" الموالية للنظام السوري في مرحلة، والموالية لـ"حزب الله" ـ وإيران ـ في مرحلة ثانية.
من هنا، وبالعودة الى زيارة البطريرك الى بعبدا أمس، وإذ توضع هذه الزيارة في الإطار الوطني، اللبناني العام، فإنها زيارةٌ "تأسيسية" للعلاقة المقبلة بين الكنيسة والرئاسة، والتي لا يمكن أن تقوم إلاّ حول الدولة، وهو العنوان الذي تلتزمه حركة 14 آذار ومسيحيّوها.