#adsense

هل تسهل مجزرة بيروت الشركة بين مكونات الوطن لإعادة بنائه؟

حجم الخط

مقدمة مسلوخة من التاريخ: من الواضح الجلي أن مسلسل إبادة مسيحيي الشرق، على وجه الخصوص، يتتابع بانتظامٍ، ومن جانب المتطرفين الذين تمجهم مذاهبهم وإثنياتهم، ربما لأنه لم يعد يهمهم التماس مع سواهم ممن يعتنقون معتقداتٍ مختلفة، بحكم عامل الديموغرافيا، أو بدافع التعصب الأرعن، أو بفعل غريزة القتل التي كانت في أساس المجتمعات البدائية، أو انتهازاً لمنهجية مصالح الدول التي تغافلت، وأهملت الدفاع عن حقوق الناس، إلا بالخطب.

 

حيثية البحث: مع فائق الأسف، وفائض الألم على الضحايا والشهداء الذين مزقتهم أنياب الحقد، هذه التي تصفع بارتكباتها الإرهابية صفاء الإنسانية، والتي لم تقف منها خطابات المسؤولين، في العالمين المتحضر والمتخلف، الوقفة اللاذعة والرادعة، ينبغي، لي، أن أوجه الى الذين يعرفون المسيحية وعايشوها، وكذلك الى الذين يشيحون بوجههم عما يقاسيه أتباعها من تدنيسٍ مشهود، هذه الرسالة الموضوعية عن طبيعة المسيحيين في الشرق، ولا سيما في لبنان، وهم الذين يشهدون، ويستشهدون للحق، والحرية والسلام، والكرامة الإنسانية، عنهم وعن غيرهم، سواءً بسواء.

إشكالية نسبية: بعد تراجع منسوب الاندماج بين شرائح النسيج المسمى وطنياً، وتفاقم نسبة المشحونين بالعزف على الوتر الطائفي، والمذهبي، وجلاء تقاطع مصالح الدول، خصوصاً على الصعيد الاقتصادي، هل يبقى دور لمسيحيي لبنان للتمتع بمواطنيتهم، وهي قضية التزامٍ لا قضية امتياز، على أساس كونهم عرقاً من عروق الوطن، وليسوا عبئاً عليه، أو طارئين؟

أدلة قاطعة: إن أقدم الكارزين بالإنجيل، مرجع الدعوة الى المحبة وقبول الآخر، هم مسيحيو الشرق، وفي مقدمهم مسيحيو لبنان المتجذرون في الأرض التي نمت فوقها الكنيسة الأولى. ولطالما كان وجودهم، في مقابل ثيوقراطيين غيرهم، شاهداً على الفداء، وهو أبلغ ثمنٍ يمكن أن يدفعه شعب من أجل هدفٍ سامٍ. أما الهدف، هذا، فهو المحافظة على دورٍ حضاري تمدني محوري، يسهم في صياغة حالةٍ ائتلافيةٍ إثنية، في غمرة المراحل التغييرية، والتشرذمية التي عصفت بالمنطقة، ولما تزل، وفي مقدمها مراحل التطرف الهمجي.

إن المسيحيين في لبنان الذين تمسكوا بهويتهم الثقافية، أصروا على إبراز موقفٍ دائم، داعمٍ للهوية الوطنية، انتماءً وولاءً، على عكس ما حاول البعض ترويجه عن انعزاليةٍ مسيحيةٍ، وتقوقعٍ مذهبي. فالمسيحيون هم أكثر الشرائح قدرةً على الاندماج، والعيش المشترك مع غيرهم من المكونات الدينية، والثقافية، والحضارية، بالرغم من التحديات المتعاقبة، ومخططات التذويب، واستبدادية الوصايات، ومؤامرات حل قضية فلسطين، وسواها، والتي استقصدت وجودهم، وأحكمت قبضتها على مصيرهم، بهدف تفريغ الوطن منهم الى دول الشتات.

لقد كان للمسيحيين الهمة الفاعلة لبناء كيانٍ سياسي، في لبنان، لم يفتتحوه مسيحياً إقصائياً، بقدر ما صاغوه نموذجاً لعيشٍ فريدٍ يسقط النماذج العنصرية، والأحادية العرق. وهكذا، وعلى خطى السريان، والآشوريين، والأقباط، أسس مسيحيو لبنان لديمقراطيةٍ عملت على أن تكفل الحريات، وحقوق الناس، لكل الناس. لكن هذه الحريات والحقوق، لم تتجذر في الكيان الوطني، إلا بعد أن افتداها المسيحيون، ولا يزالون، بشلالٍ من الرجال، ليبقى للكرامة في لبنان موطئ. وهذا ليس غريباً عن قناعاتهم المسيحية التي لم يحيدوا عنها، وعن شهادتهم لفلسفة الصليب، بهدف صيانة وجودهم ليكون مضموناً، وأكثر أماناً، بين أكثرياتٍ، راود بعض مهووسيها الحل القمعي الذي لم ينجح، عملياً، سوى باندلاع روح العنفوان الجهادية الإلزامية، من أجل البقاء، ولصالح الجميع.

لقد آمن المسيحيون، في لبنان، بالنسيج الإنساني، بعيداً عن الفوارق المذهبية التي راودت قناعات الكثيرين من غيرهم، في حين اعتبروها، هم، قيمةً مضافة، لا سبباً للاحتراب، والسجال، وهذا ما شكل، بالفعل، التركيبة المعجزة، على مر العقود. فالمذاهب، ودائماً بحسب المسيحيين، ترسخ التعددية، وتجمع بين القواسم، وتحضر لنهضةٍ منتجةٍ على أنقاض انحطاط البروتوتيبيات والنمطية. من هنا، يرفض المسيحيون مقولة اعتبارهم أقليةً عرقيةً في نسيجٍ أكثري مغاير، فهذه محاولة سافرة لتقويض فرصة التعايش الأهلي، والشراكة في الوطن، وحتى في المصير القومي، لأن المسيحيين يرفضون فكرة لبنان جزيرةً معزولةً عن محيطه.

أما الخلل، فيكمن في عدم وجود مقاربةٍ موضوعيةٍ واحدةٍ للشركة، وإزالة هذا الخلل لن تتحقق إلا بالمزيد من الانفتاح، والاعتراف بالحقوق، وبمقاربةٍ واحدةٍ لإمكانيات خلاص لبنان من أزماته، الداخلية منها والإقليمية، باعتماد مبدأ الحياد، ودعم مشروع قيام الدولة القادرة، والسيدة على كامل التراب الوطني. وذلك، بدءاً بهدم تبني المفهوم الملتوي للطائفية، أو ما يعرف بالأنا الطائفية، مروراً بالعودة الى الالتزام التام بعاملي الانتماء والولاء، حتى التماهي الكلي بالكيان النهائي للوطن.

ولما كانت سنة العلاقة بين الإنسان والإنسان، ومسيرة العيش المتكافل، مرتكزتين على أساسٍ واحدٍ هو حفظ حق الكرامة الإنسانية، في وطنٍ يدين به الجميع، كان من حق المتنورين، وفي طليعتهم المسيحيون، المطالبة بعدم تحويل أزمنة الوطن وناسه الى عصور ظلام، ببث الخطاب التكفيري المعمق لهوة القلق، والذي يجهض مشروع حوار الوطن مع الوطن، وهو دعوة مسيحية ينبغي الترصد لها، لأنها تستند الى مسلماتٍ إنسانيةٍ، ووطنيةٍ، قوامها الاعتراف بالآخر، واحترام رأيه.

خاتمة: إن الحضور المسيحي في لبنان، وهو حضور فاعل، ومنفتح، ومنخرط في هم مجتمعه الوطني، ليس وجوداً تراكمياً، لكنه ضروري ملزم، لذلك، من واجب الشركاء في الوطن، أن يبادروا، يداً بيدٍ مع المسيحيين، الى لم الشمل، وفتح كوة العبور الى الحرية، والديمقراطية، والحق بالعيش الكريم والمتساوي، لجميع مكونات الوطن، من دون استثناءات، ورفض الخلط بين الولاء للبنان وبين الولاءات الرديفة البديلة، خصوصاً، لبلدان ما وراء الحدود.

لقد التزم المسيحيون، انطلاقاً من تعليمهم، بشؤون الأرض لتحويلها الى ملكوتٍ راقٍ، ولبنان بعض هذا الملكوت. لكن الفعلة، ينبغي ألا يكونوا قلةً، أو من ديانةٍ واحدة، ليسطروا جميعاً سفر خلاص لبنان.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل