ربما لا يدرك الرئيس المكلّف حجم الإلتزام الذي تعهد به لـ"حزب لله" والذي ساهم بتكليفه تشكيل الحكومة العتيدة، ذلك أن الإلتزام بحماية "المقاومة"، يفترض حماية "حزب لله" من كل ما يعتبره خطراً عليه، ومن منا لا يذكر قرار حكومة الرئيس السنيورة المتعلق بشبكة الإتصالات الخاصة بـ"الحزب"، حيث قام الأخير بشن حرب على بيروت والجبل في ذاك السابع من أيار "المجيد"، ما أدى إلى سقوط حوالى 80 قتيلاً وتبدل المشهد السياسي الداخلي عبر "اتفاق الدوحة"، وذلك كله بذريعة درء خطر الإنكشاف الأمني المتأتي من إيقاف العمل بشبكة اتصالات غير شرعية.
وغداً سيواجه الرئيس المكلف ميقاتي الكثير من المطالب التي سيدرجها "الحزب" في خانة الأخطار التي تتهدده والتي تتطلب حماية الحكومة، من الملف المزور المسمّى شهود الزور إلى القرار الإتهامي للمحكمة الدولية، مروراً بخطر احترام لبنان للقرارات الدولية لا سيما القرارين 1559 و1701 إلى خطر الإتفاقيات الأمنية مع الولايات المتحدة الأميركية، إلى خطر فرع المعلومات الذي اكتشف معظم المتهمين بالعمالة لإسرائيل…
وفقاً لما تقدم، يبدو مستقبل الحكومة العتيدة قاتماً، بخاصة إذا ما سعى رئيس الحكومة المكلّف إلى إثبات وسطيته، واختار رفض التراجع عن التزامات لبنان تجاه المحكمة الدولية، عندها سيدخل في مواجهة مع "حزب لله" عبر اتهامه بعدم الوفاء بالتزاماته لـ"الحزب". أما إذا اختار تبني خيار "الحزب" في مواجهة المحكمة فسيتحمل مسؤولية التفريط بدماء الرئيس رفيق الحريري وكافة الشهداء، وسيواجه وضعاً لا يحسد عليه لبنانياً وعربياً ودولياً وسيكون كمن أحرق مستقبله السياسي بيديه. أما الخيار الثالث المتاح فهو اللجوء إلى طاولة الحوار للتباحث في الموضوع، وهو ما سيرفضه "الحزب" بشدة ذلك أن طاولة الحوار ستبقى من دون جدوى ولن تتمكن من التوصل إلى أي تسوية بهذا الشأن فيما أعمال المحكمة تتقدم والخناق يضيق حول الحزب المتهم.
من المتعارف عليه أن المقاومة تدافع عن الوطن وتسعى لتحريره من الإحتلال حتى إذا ما تحقق التحرير، تعود المؤسسات الرسمية إلى العمل وتستعيد السلطة المركزية دورها كاملاً ويعود المقاومون إلى الإنخراط في كافة جوانب المجتمع ليساهموا مع الآخرين في نهوض وطنهم ومجتمعهم. أما "حزب لله" الذي يدّعي المقاومة إنما يستمر في منع مؤسسات الدولة من استعادة دورها، كما أنه يوظف قدراته العسكرية خدمة لارتباطاته الإقليمية وسعياً لتحقيق مكاسب سياسية داخلية، كذلك يسعى للتحكم بكافة جوانب القرار اللبناني السياسي والأمني والإجتماعي والقضائي، فيفرض على رئيس الجمهورية المشاركة في مؤتمرات خلافاً لإرادته، ويصادر دور الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية الأخرى في العديد من المناطق والمربعات، ويمنع استقبال لبنان لبعض الفنانين والمثقفين العالميين بحجج تافهة، ويمنع القضاء اللبناني من القيام بواجباته عبر حماية بعض المطلوبين إلى التحقيق كما حصل مع جميل السيد ويفرج عن بعض المتهمين بجرائم كبرى كما حصل مع الشيخ بكري اخيراً. وبعد ذلك كله، يطل علينا الرئيس المكلف متعهداً حماية "المقاومة" فيما المفترض أن تحمي الحكومات كافة المواطنين من دون تمييز في ما بينهم، لا سيما أولئك الذين يعيشون تحت رحمة السلاح غير الشرعي لـ"حزب لله" والذين تعرضوا آخيراً للترهيب، عبر نشر الميليشياويين على الطرق بمعاطفهم السوداء، كما حماية أولئك الذين تستباح أملاكهم في الضاحية الجنوبية وجزين ويمنعون من استثمارها. من يحمي أولئك المواطنين يا دولة الرئيس المكلّف؟ وهل تلتزم حمايتهم إذا ما اختار الحزب الإلهي الإستمرار بالتعرض لهم واستباحة أملاكهم واجتياح أحيائهم أم أنك ستحيل هذا الأمر أيضاً إلى طاولة الحوار؟
في خضم هذا الإنقلاب على إرادة الناس، وقيام بعض النواب بسرقة أصوات الناخبين، وتعهد رئيس الحكومة المكلّف حماية "المقاومة"، يبقى القرار الإتهامي الذي سيجد طريقه إلى العلن قريباً الحدث الأبرز الذي سيشهده لبنان، خصوصاً أن الشهداء الذين سقطوا كانوا من أبرز قادة الرأي والفكر والإعلام والمجتمع، ولم يسبق للبنانيين أن اكتشفوا رسمياً مرتكبي الجرائم بحق قادتهم مع أنهم معروفون. ويبقى على رئيس الحكومة المكلّف التفكير منذ الآن بالمخارج المتاحة أمام حكومته، فيما لو كانت الأدلة المرفقة بالقرار الإتهامي دامغة بحق من تعهد بحمايتهم.
لن أنسى أن أتوجه بالشكر الشخصي للنواب الذين منحتهم صوتي في الإنتخابات النيابية الأخيرة، وذلك لحفاظهم على الأمانة التي أولاهم إياها أبناء قضاء عاليه، فالتاريخ سيذكر أن عدداً من النواب قد خضعوا للترهيب وصوتوا خلافاً لإرادة ناخبيهم، فيما صمد بعضهم الآخر بالرغم من إدراكهم ما قد يترتب عن موقفهم هذا. يكفي أنهم حافظوا على كرامتهم وشرفهم عندما دقت ساعة الحقيقة. شكراً فؤاد السعد، شكراً هنري حلو.