#dfp #adsense

لن ننسى… لن نسامح. سنخزِّن غضبنا ونفجره

حجم الخط

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1709

4 آب 2020… إغتيال بيروت

لن ننسى… لن نسامح. سنخزِّن غضبنا ونفجره

 

ذاك الرابع من آب كانوا هناك، يعيشون تفاصيل حياتهم اليومية كما يُفترض أن يعيشها إنسان في وطن ما. كانوا يحلمون بالغد، يخططون يحلمون بالمستقبل، كلٌ كان في المكان الطبيعي لمسار حياته. أطفال يلهون بألعابهم غير آبهين بلعبة الكبار. مسعفو الدفاع المدني والصليب الأحمر اللبناني في مراكزهم في انتظار جرس إنذار ما لتلبية النداء. مرضى على أسرة المستشفيات، أمهات في غرف الولادة ينتظرن سماع صرخة أول طفل ومشاهدة أول نظرة له على الحياة. كهنة على المذبح … عمال موظفون عائدون من مراكز عملهم….. هكذا كانت دورة الحياة عصر ذاك الرابع من آب 2020 وكان يُفترض أن تنتهي على غروب يوم في انتظار شروق شمس يوم جديد، لا على غروب وطن وغياب شمسه.

الخامسة وخمسة وأربعين دقيقة… دخان أبيض يتصاعد في أحد مستودعات المرفأ. جرس الإنذار يقرع في مركز فوج إطفاء بيروت في الكرنتينا. عشرة عناصر توجهوا إلى مكان الحريق، علما أن هناك سيارات إطفاء تابعة للمرفأ. لكن ذاك الرابع من آب لم يكن العناصر في المركز. صدفة أو إهمال؟

الناس في بيوتهم هرعوا إلى الشرفات. سيارات إصطفت على الرصيف المواجه للمرفأ وأخرى توقفت عند جسر شارل الحلو لالتقاط صور عن الحريق الضخم.

في موقع الحريق دخان كثيف. المتطوعة في فوج الاطفاء سحر فارس  تلتقط صورًا لزملائها ولم تعلم أنها ستصير ورفاقها الصورة المؤطرة بالأسود والدموع.

الصمت رهيب. صوت مفرقعات من إحد المستودعات ودخان كثيف يتصاعد من عنبر الموت رقم 12. عناصر من الدفاع المدني حاولوا خلع باب المستودع حيث كان يتصاعد الدخان. غريب كيف أن أحدا لم يكن في مركزه عصر ذاك الرابع من آب أيضا نفس السؤال: صدفة أم إهمال؟

ثمة وضع مريب ثمة رائحة موت في مكان ما….

السادسة و8 دقائق… دوى الإنفجار. سكتت اللحظة. ودخلت بيروت سفر الخروج من الحياة.

ثوانٍ وتغيّر المشهد على الأرض. بيروت ما عادت تشبه نفسها. ناسها أهلها عشاقها مضرّجون بالدماء، حجارتها انهارت على رؤوس أهلها، أبنيتها الأثرية صارت حكاية في سفر الخروج. زجاج غطى الشارع وانغرز في عيون وأجساد أهلها وعشاقها. أطفال غرقوا في عتمة الخوف وصاروا شهودًا على أسطورة الموت. طفلة تصرخ من داخل سيارة مهشمة بفعل الدمار: «mama est sans tête». طفل آخر يصرخ ويترجى والده الذي كان يقف معه على شرفة منزله في بناء ضخم وحديث مواجه لمرفأ بيروت أن يستيقظ: «papi wake up» ولم يدرك أن عيني والده مفتوحتان على الموت…. وحده تمثال المهاجر اللبناني المواجه لموقع الإنفجار في المرفأ بقي شامخاً، ليذكرنا ربما بأنه خشبة الخلاص الأخيرة أو ربما صليب الجلجلة التي سيمشي عليها اللبنانيون.

في أقل من خمس ثوان صارت بيروت كتلة رماد وصفحات مشرّعة على الموت. بيوت من دون سقف. عائلات فقدت ذكرياتها، تاريخها. ثمة غول نهم، ثمة شياطين، ثمة مجرمون خططوا لمشهدية موت محتم، دمار كامل لحظة قرروا تخزين حوالى 2750 طناً من مادة نيترات الأمونيوم في العنبر رقم 12. ثمة شهود على مادة الموت التي تم تخزينها هناك منذ العام 2013. ثمة مجرمون لم يجرؤوا على التصريح عن وجود تلك المادة لحظة إندلاع الحريق الذي لم تُعرف أسبابه بعد، فكانت الكارثة، النكبة…. ولو تجرأوا لكانت اللحظات الفاصلة بين إندلاع الحريق والإنفجار الذي صُنف بثالث أضخم إنفجار غير نووي في هذا العصر كفيلة في إنقاذ بيروت وناسها، والأهم أنها كانت ستنقذ حياة فوج الإطفاء العشرة الذين هرعوا لإطفاء حريق ما على المرفأ. فعادوا جثثاً متفحمة وأشلاء ليرقدوا في نعوش بيضاء.

خمس ثوان وبدأت قوافل العد. 100 ضحية، 120، 150، 200… اللائحة طويلة وطويلة جدًا يا ست الدنيا. قالوا عنهم شهداء. لكن لا وألف لا. هؤلاء ضحايا قتلهم شياطين المرفأ وحكام الفساد المرابضون في قصورهم وعلى عروشهم، ضحايا مجرم لم يبلّغ عن وجود مواد قاتلة في المرفأ. ضحايا رئيس أهمل تبليغاً رسميًا عن وجود تلك المادة على المرفأ، ضحايا موظف ورجال أمن ودولة سكتوا من أجل حفنة من المال، ضحايا حزب الأمر الواقع على أرض المرفأ وشياطينه. نعم كلهم ضحايا. الشهيد اختار قدره وقرر أن يمشي على درب الشهادة من اللحظة التي حمل فيها البندقية دفاعًا عن وطن وأرض. أما موتانا، قتلانا فكانوا يخططون للغد، كانوا يحضّرون ليوم زفافهم لحفل تخرّجهم لبرنامج إحتفال بعمادة أولادهم أو أول قربانة… نعم إنهم ضحايا جريمة إرهابية إرتكبها سفاح وخطط لها شياطين ونفذها مجرمون كانوا يعلمون بوجود مادة نيترات الأمونيوم في العنبر 12 لكنهم سكتوا ليضمنوا بقاءهم في مقابرهم العاجية المزخرفة بالفساد.

4 آب  2020 ما حصل ليس نتيحة إهمال وفساد فقط، إنه جريمة ضد بيروت الإنسانية ضد بيروت وضد لبنان. حساب الأرض قد يطال بعض الموظفين  وسيظل يخرح علينا بعضهم بابتساماتهم الصفراء وتهديداتهم الرعناء…. وكأن الضحايا ما كانوا ولا كانت بيروت..

لكن  لن ننسى ولن نسامح… ولن نساوم… سنخزِّن غضبنا كما هددتم. سنخزِّنه لكن لنطردكم، لنطرد شياطين الهيكل ونحاسب أمام عدالة الأرض والسماء القتلة الذين استباحوا دماء أبرياء آمنوا بحب الحياة في وطن إسمه لبنان. سنخزِّن غضبنا ونستجمع صور الضحايا ودموع أمهات وصرخات أب وصيحات أخ إنكسر ظهره بعدما قتلوا سنده، سنخزِّنه لنصرخ يوم جلاء الحقيقة لكم شياطين الأرض ولنا عدالة السماء.

نعم هناك مسؤول عن الكارثة، هناك من تجب محاسبتهم وتعليق المشانق ليستجمع الضحايا أشلاءهم التي تناثرت في الفضاء واختلطت بدخان نيترات الأمونيوم. هناك مسؤول وربما مسؤولون عن سرقة ذكريات وأعمار وتاريخ وثقافة شعب ومدينة صارت عناوين الصحف والتلفزيونات لكن لحدث لا يعكس صورتها. فالحدث إغتيال بيروت وليس زعيمًا. بيروت المكسورة كما زجاجها، المنكفئة على ذاتها حزناً على ناسها على ضحاياها، بيروت بالأسود المفحّم لم تعد توجد فيها مرآة واحدة تشوف حالا … لكن بيروت «أم» والأم لا تموت. هي تنام وتصحو في اليوم التالي.

وإلى آخر نبض في عروقنا سنقاوم.

 

ناجي مسعود… هون كل العمر

هي العناية الإلهية التي حملت الزميل المصوّر في مجلة «المسيرة» ناجي مسعود ورمته الى داخل المنزل، هو الذي كان يجلس على شرفة  منزله في منطقة مار مخايل عندما دوى الإنفجار وتهدمت الشرفة كما كل شرفات البناية.

هي صلوات فيكتوار زوجته التي أنقذتها من تحت الأنقاض حيث كانت تمارس أعمالها المنزلية في المطبخ بعد عودتها من عملها.

هي صورة القديس أنطونيوس في موقف الكنيسة في مار مخايل، حيث كان إبنهما أيمن يركن سيارته بعد عودته من العمل. وقع الإنفجار الأول، حاول إلتقاط بعض الصور من حيث يقف في موقع مواجه مباشرة لمرفأ بيروت. لكن الرحمة الإلهية نادته وسحبته الى خارج موقف الكنيسة. وما هي إلا دقائق حتى اهتزت الأرض وعطت غيمة الموت سماء بيروت…

 

وسقطت بيروت تحت ردم الفاسدين وشياطينها…

بعد عودتهم من المستشفى حيث تلقى ناجي وفيكتوار الإسعافات الأولية، دخل ناجي وفيكتوار وأيمن المنزل… لم يتعرفوا إليه… ثمة ما يشبه منزلاً «بس المهم بعدنا عايشين… الحجر بيرجع يتعمّر ولو بصعوبة وتعب بظل هالظروف الصعبة، بس المهم نحنا عايشين. الله يرحم الضحايا ويشفي كل مريض»…

أسبوعان… ثلاثة، لا يزال ناجي وفيكتوار يلملمان آثار الخراب في المنزل… «رح ترجعو ترممو؟»… الجواب رهن بالفحوصات المخبرية التي يجريها صاحب الملك على نوعية الحجر…

وبغصة ما بعدها غصة، يقول أبو فؤاد «ما بتخايل حالي عايش خارج حيطان هالبيت. هون أحلامي. هون كل ذاكرتي وذكرياتي مع أهلي اللي صاروا بدنيا الحق. هون فرحت أنا وفيكو بولادة فؤاد وأيمن. هون مسرح ضحكاتُن وألعابُن. هون كل العمر اللي كنت عم برسمو. الحمدالله إنو نحنا عايشين، بس إذا إجا القرار بهدم البناية رح نضلّ ونكمّل عمرنا مكسورين»…

ناجي فيكتوار أيمن، الحمدالله ع السلامة من أسرة «المسيرة».

 

شدّوا الهمة…

حملوا مكانسهم ونزلوا إلى شوارع بيروت ليرفعوا عن وجهها كحل الدمار وشحتار الموت الأسود. نسوا طوائفهم وانتماءاتهم هبّوا من كل المحافظات والمناطق لمساعدة الأهالي الذين تحولوا في أقل من 5 دقائق إلى مشرّدين، معوقين، ناس بيروت أهلها صاروا من دون سقف ولا بيت كان يختزن كل الذكريات والأحلام وصناديق أسرار الطفولة. حملوا المكانس والرفوش وقفوا على أطلال البيوت والنوافذ جرفوا أنقاض فساد المسؤولين، هم الذين لم يجرؤوا على النزول بين الناس لتفقد أحوالهم. لم يتعبوا لم يتذمروا فقرارهم واحد. الوقوف إلى جانب الأهالي المدمرين معنويا حتى يتمكنوا من العودة إلى بيوتهم بعد ترميمها.

 

إلى المجلس العدلي در

على رغم المطالبة بالتحقيق الدولي في ملف تفجير مرفأ بيروت إلا أن القرار صدر بإحالته إلى المجلس العدلي، وبعد مد وجزر في مسألة تعيين محقق عدلي وافق مجلس القضاء الأعلى على الإقتراح الذي تقدمت به وزيرة العدل في حكومة تصريف الأعمال ماري كلود نجم، بتعيين قاضي التحقيق العسكري الأول بالإنابة فادي صوان محققاً عدليًا في الجريمة. وكان القاضي طارق بيطار الذي طُرح إسمه على مجلس القضاء الأعلى قد اعتذر عن تسلم المهام  لتطرح التساؤلات عمّا إذا كان مَردّ الاعتذار ضغوطاً سياسية، أم أنّ السبب يتعلق فعلاً بمسائل شخصية تخصّ القاضي بيطار؟!

وباشرت النيابة العامة التمييزية أعمالها في الإدعاء والتحقيق، ثم استلم المحقق العدلي فادي صوان وتم توقيف كل من المدير العام السابق للجمارك شفيق مرعي ومدير مرفأ بيروت حسن قريطم والمدير العام للجمارك الحالي بدري ضاهر. ووصل عدد الموقوفين على ذمة التحقيقات في قضية إنفجار بيروت الى 19 مسؤولاً وموظفاً، بعدما أعلن القضاء العسكري توقيف 16 موظفاً في المرفأ. والتحقيقات مستمرة، مما يرجح إرتفاع عدد الموقوفين.

إلى ذلك أعلن مصرف لبنان تجميد حسابات 7 موظفين في المرفأ، بينهم قريطم، وضاهر، ومنع القضاء سفر عدد آخر من المسؤولين الحاليين والسابقين فيه، بينهم مرعي، وضاهر، وقريطم.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل