إدخال المسألة الحكومية في معادلات الفراغ الرئاسي يكاد يستدعي "إتفاق دوحة"
لتنفيذ اتفاق الدوحة ويُبقي البلاد في "البازار الإقليمي"
سليمان وحماية الرئاسة من خطة "سلب" سلطاتها
هل يحتاج تشكيل الحكومة الى اتفاق دوحة جديد كما احتاج انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية؟
كل الوقائع الظاهرة تشي بذلك. قوى الثامن من آذار كانت تضع كرة انتخاب رئيس للجمهورية في ملعب العماد ميشال عون، الذي لم يكن ينفي ذلك على الإطلاق. والنظام السوري كان يشترط لتسهيل عملية الإنتخاب حصوله على أثمان عربية ودولية.
وفي الدوحة، بقي العماد عون يسأل عن وجود طائرة لتقله الى بيروت، إلى أن جاءه "حزب الله" مبلغا إياه، في اليوم الأخير، أنه لا بد من حل، فرضخ وسار كما قرر "حزب الله" الذي سهر هو على التقسيمات الإنتخابية وأعطى موافقته عليها، موفرا مصالحه، فيما دمشق أخذت موافقة تركية على إعلان دخولها في مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل وتلقى رئيسها دعوة لزيارة باريس التي كانت محظورة عليه.
في المسألة الحكومية، يتكرر سيناريو ما قبل الدوحة الرئاسية. قوى الثامن من آذار تدّعي ان العقدة الوحيدة إسمها العماد ميشال عون، وهو لا ينفي ذلك. سوريا تطالب بثمن عربي، وتحديدا مصري ـ سعودي، حتى تسهّل تشكيل حكومة جديدة في لبنان، وهذا ما سبق ان قاله الرئيس السوري بشار الأسد في الإمارات العربية المتحدة حين أعلن أنه سينتظر ماذا تريد منه بعد مصر والسعودية، طالما ان الإنتخابات الرئاسية في لبنان قد حصلت، وعلى إثره قال نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد إن تحسين العلاقات العربية ـ العربية من شأنه أن يسمح باستكمال تنفيذ اتفاق الدوحة العالق حاليا عند محطة تشكيل حكومة جديدة.
وهذا يُفيد بأن العماد ميشال عون سيسير يوما بتشكيل الحكومة، ولكن بعد أن يأتيه "الأمر" من "حزب الله" الذي ينتظر أن ترضى دمشق وأن ينال ما يفرضه من شروط تتصل بالمسؤوليات الأمنية في البلاد، في الحقبة الحكومية المقبلة.
وأمام هذه الوقائع، يبدو أن حل الأزمة الحكومية يحتاج الى لقاء لأقطاب الحوار الوطني على غرار لقاء الدوحة، إلا إذا ارتأى رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان غير ذلك.
لماذا تقع المسؤولية على عاتق رئيس الجمهورية؟
من الواضح، أن ذهاب لبنان الى قطر كان يعود الى غياب رأس الدولة عن الدولة، وتاليا كان لا بد من تدخل عربي ودولي لإعادة الأمور الى نصابها، فكان اتفاق الدوحة الذي أنتج حتى الآن إنتقال الشخصية التوافقية من اليرزة الى بعبدا، ومعها خارطة طريق للمرحلة الأولى من العهد، وهي تتضمن من بين ما تتضمنه تشكيل حكومة وحدة وطنية مشكلة وفق معادلة 16 وزيرا للأكثرية و11 للأقلية و3 لرئيس الجمهورية.
ومن الواضح أكثر أن المجتمع الدولي، والعربي من ضمنه، حين أبدى ارتياحه لهذا الإتفاق، كان يتكئ على حقيقة وحيدة، وهي أنه أصبح للبنان رئيس للجمهورية، وبالتالي أصبح قادرا، في ظل دعم متوافر، أن يحسم الخلافات التفصيلية، وفق مقتضيات الدستور الذي تمّ خرقه في الدوحة ، لمرة واحدة وبصورة إستثنائية.
ووفق المراقبين، فإن هذه المعطيات تفرض نفسها على رئاسة الجمهورية، لأن الوظيفة الوطنية الأولى المطلوبة منها، هي أن تسحب لبنان من سوق البازار الإقليمي نهائيا، فلا تبقى مؤسساته مرتهنة لأثمان يطلبها السوري او الإيراني او السعودي او الاميركي، بفعل "انحراف" أطراف فيه أو احترافهم لعبة المصالح الضيقة على وتر اللعبة الإستراتيجية لدول وأنظمة.
وهذا يعني أن الرئيس سليمان، بعدما شاهد بأم العين ما الذي يحصل في البلد الذي يرأس، أصبح أمام تحدّ وطني كبير، وهو الدخول على خط فرض تنفيذ اتفاق الدوحة على كل الأطراف، لأن عكس ذلك يعني أن هناك من يريد أن يُسكنه في بعبدا مؤقتا لتكون السلطة الظاهرة في الرابية، والسلطة الحقيقية على خط الضاحية ـ دمشق.
وليس خافيا على الرئيس سليمان ان محاولة وضع فيتو على استمرار الوزير الياس المر في وزارة الدفاع الوطني واعتباره بأنه جزء لا يتجزأ من قوى الرابع عشر من آذار، سوى محاولة لإسقاط الرئيس بالذات، من خلال إفهامه بأنه غير مؤهل لتوصيف السياسيين في لبنان، وتاليا عليه ان يتماهى مع حكم قوى الأقلية على السياسيين المطلوب اليوم توزيرهم وغدا تنصيبهم وبعد غد إستشارتهم.
هل يتحرك رئيس الجمهورية على خط تشكيل الحكومة؟
العماد ميشال سليمان معتصم بالصمت حيال المسألة الحكومية، ولكنه بالتأكيد سيجد اللحظة المناسبة التي يقول فيها: "الأمر لي".