
لعله من أعنف خطابات سمير جعجع على الاطلاق. او لنقل انه من أحلى الخطابات على الاطلاق. ليس لأننا نحب العنف، على العكس تماما، لكن لان الباطل صار حاكما ارهابيا مستبدا في بلادي، وصار يحتاج الى صفعات قاسية، او الى لطشات كهرباء ربما، ليصحصح ويستفيق من ظلامة كهوفه.
نكزهم سمير جعجع، كي لا اقول هيك بالدارج، بهدلن!… بهدلن؟ ابدا لم يفعل، فهم كذلك اساسا، هم مبهدلين بحالن ومجرصين بلدنا. هم عار السلطة وسلطة العار، ولبنان بسببهم غارق في ذل الايام وانكسارها المريع.
حاول الحكيم بخطابه ان يردع العار عن لبنان. خطابه؟ هذا ليس خطابا في قداس لشهداء المقاومة، هذه صرخة نارية مدوية لبطل من لبنان باسم ابطال منهم من رحل بس بعدن ما فلوا، وآخرون لا يزالون يعيشون هنا وهم كثر كثر، في القوات اللبنانية ومن خارج القوات ايضا، اولئك الذين يحملون في قلوبهم ثوابت قيم الوطن.
صرخ سمير جعجع في وجه الصعاليك ليرتدعوا. نعم قال لهم هيك بالمباشر الواضح، انتم صعاليك، والصعاليك تحكمنا وتتحكّم بنا، ولا احد يقف في وجههم، لكن “بتسرقوا بتنهبوا بتستبدوا بتقتلوا… نحنا باقيين”. توعّدهم وليس فقط وعدهم، وما بين الوعد والتوعّد حرف التاء ذاك الواقف الى سيفه، ولا يزال سيفنا قاطع حين نرى حدّ السيف يكاد يقطع شرايين لبنان من الوريد الى الوريد. سيفنا قاطع ولذلك توعّدهم بالمجابهة حتى التحرير منهم وحتى النصر، ولن نقبل الا ان ينتصر خط الممانعين الحقيقيين للحقيقة والعدالة والشرف. قال لهم الحكيم بما معناه، نحن الممانعين الفعليين وأنتم الخانعين والفاسدين والارانب والمحتلين الخاضعين لسطوة الغريب عليكم، لكن ليس علينا، فنحن كبار احرار شرفاء مقاومين.
بهدلن؟ بهدلن ونص وكان الخطاب اقوى بكثير مما توقعناه او حتى في سرّنا تمنيناه! اذ بدا وكأن سمير جعجع كان هو نحن، هو كل شخص فينا يصرخ بأفكارنا، بمشاعرنا، بما نريد ان نوجهه من توبيخ وكلمات، نحب احيانا ومن فيض يأسنا وغضبنا، ان تقارب الشتيمة، لكن الحكيم يرفض الشتيمة، الا انه لا يوفّر التوصيف اللائق والمناسب لطبقة سياسية مماثلة في الوقت المناسب. هذا هو سمير جعجع يضرب ضربته حين يتراجع كثر.
بدا الحكيم وكأنه يرفع عصاه عاليا مع نبرة الصوت العالي والانفعال الاعلى منه، كأنه يحكي جروحاته الشخصية، ويصرّح عن المه الشخصي العميق لوطن هو كل ما نملكه، كل ما نعيش لأجله، هو كل دنيانا وابتساماتنا ودمعاتنا وقلبنا النازف بهالقد حب وخوف، وها هو ينزلق منا نحو الهاوية الرهيبة.
صراخ الحكيم ما كان الا الحب في قلب رجل لم يفعل حتى الان، سوى ان يحب لأجل ارضه وان يدفع الاثمان الباهظة، وان يتلقى الضربات ايضا في كل الاتجاهات، لكنه يبقى هو الاقوى. هو الاقوى على الاطلاق، لان القوات هي الاقوى على الاطلاق رغم ما يتهيأ للبعض عكس ذلك، هي الاقوى لأنها الانظف، الاصلب، الاكثر عنادا في الذهاب الى المواجهات المباشرة من دون تردد، هي الاقوى لأنها لا تريد الا وطنا حرا جميلا نظيفا بيرقه العنفوان والكرامة والحرية، وهم يريدون عكس ذلك، ولأنهم عكس كل تلك القيم، يرجمون القوات… اقصد يحاولون رجمها، وفشرتم ان ترجموها اذ ان الحجارة تقع على الارض من دون وقع ونمضي نحن مرفوعي الهامة في النضال…
لماذا وقع خطاب الحكيم كان مدويا؟ لأنه حكي باسم فقر الناس والمهم وقهرهم وخوفهم، حكي باسم الذين ماتوا رغما عنهم في بيروت وما كانوا اختاروا الموت اشلاء، حكي باسم من صاروا متسولين على ابواب الدولة وما اختاروا ان يكونوا في وطنهم متسولين. حكي باسم من تدمّرت املاكهم وارزاقهم وصاروا بلا بيوت، وما اختاروا يوما ان يصبحوا متشردين في ارضهم، حكي باسم الصامدين الواقفين على خناجر السلطة الفاسدة، وكلما تحركوا علّم الخنجر في اجسادهم ثلوما ونتوءات وما اختاروا ان يكونوا هالقد معذبين. هل نطق كفرا سمير جعجع؟!
لم يكن ذاك قداسا لشهداء المقاومة وضحايا بيروت، كانت تلك عيون حزينة دامعة تخشى ان تتفلت منها اللحظة وتفرّ منها كل الدموع من فائق الحنان والحب والخوف على لبنان، خصوصا انهم كانوا جميعا هناك، الشهداء، وصفقوا بقلوبهم المتجمّرة حبا، لكلمة الحكيم ولشباب وصبايا كشاف الحرية، ولتلك النوايا التي قيلت برفّة قلب وعنفوان، رأيتهم يمسحون دموعهم تأثرا ويتأهبون من جديد ليقدموا سلاحهم، صاروا سلاح الصلاة لأجلنا، وما ان انهى الحكيم خطابه، ابتسموا ادمعوا صفقوا وعادوا الى نومهم في حضن الاب براحة الكرامة، وانا رأيتهم جميعا ورأيت بسمة الحكيم لهم.
