#adsense

حال الانتظار

حجم الخط

حال الانتظار

يذهب الأميركيون إلى انتخابات الرئاسة ويأخذون العالم معهم. لا علاقة للأمر بتأييد أميركا أو كرهها. إنه شعور بأن الرجل الذي سيقيم في البيت الأبيض يستطيع التأثير على مصائر دول وشعوب. وحين تغرق الولايات المتحدة في حملة انتظار رئيسها الجديد يسقط العالم في حال انتظار. صحيح أن سياسات الإدارات الأميركية المتعاقبة محكومة بالمصالح العليا لأميركا، لكن الصحيح أيضاً هو أن الصلاحيات الواسعة للرئيس تمنحه القدرة على التغيير والتبديل حتى في الأولويات.

انتظار الرئيس الأميركي حال شاملة. يصدق ذلك بالنسبة إلى روسيا والصين. وكذلك بالنسبة الى أوروبا التي اقلقتها بعض مجازفات جورج بوش خصوصاً في العراق. فمقاربات الرئيس الجديد للمشكلات العالقة في العالم تعني الأطراف المعنيين مباشرة بهذه المشكلات كما تعني الذين يتأثرون بطبيعة الحلول المقترحة لها. يمكن هنا الالتفات الى المفاوضات الجارية مع كوريا الشمالية بشأن ملفها النووي.

يزداد الانتظار صعوبة في المناطق التي تشهد تورطاً أميركياً مباشراً في شؤونها وشجونها ونزاعاتها. وفي المناطق التي للولايات المتحدة مصالح حيوية تؤثر على استقرار اقتصادها. وضع الشرق الأوسط نموذجي في هذا السياق. أميركا تقاتل على أرضه وهي معنية تماماً بأمن النفط وأمن إسرائيل وكل ما يؤثر عليهما.

يمكن القول إن إيران في حال انتظار وان تظاهرت بغير ذلك. ملفها النووي مطروح أمام مجلس الأمن وهو بند ثابت في اللقاءات الأميركية – الأوروبية. يصعب الاعتقاد بأن الرئيس المقبل سواء كان أوباما أو ماكين سيسلم لإيران بحق امتلاك سلاح نووي. سيكون السؤال اذاً عما إذا كانت إيران مستعدة لكبح شهيتها النووية في مقابل الاعتراف لها بدور بارز في الاقليم. استكمال المواجهة او الانتقال الى التفاوض لن يتوقفا على واشنطن وحدها. يتعلق الأمر أيضاً بسلوك إيران النووي والاقليمي ولغتها في مخاطبة الإدارة الجديدة.

العراق الذي ترابط القوات الأميركية على أرضه يعيش هو الآخر حال انتظار حتى لو توصل الى اتفاق مع واشنطن ينظم وجود قواتها في أراضيه بعد انتهاء التفويض الدولي في نهاية العام الحالي. والانتظار العراقي متعدد الهموم. انه انتظار للرئيس الأميركي المقبل وانتظار للشكل الذي ستتخذه العلاقات الإيرانية – الأميركية في عهده.

واضح أن سورية تعيش بدورها حال انتظار. لاحظت ان إدارة بوش تحاول خلق وقائع ترمي الى تعقيد أي محاولة من الإدارة الجديدة لاطلاق حوار مع دمشق. ردت سورية على هذا الأمر بالسعي الى توفير حوافز تساعد على تشجيع الإدارة الجديدة على التحاور معها. كشفت دمشق وجود مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل عبر القناة التركية. وأعلن الرئيس بشار الأسد أن أي مفاوضات مباشرة لاحقة تستلزم وجود الراعي الأميركي. بعثت سورية برسالة أخرى في اتجاه باريس وواشنطن معاً. سهلت انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية اللبنانية. وفي ضوء هذا التسهيل استقبل الأسد أمس مبعوثين للرئيس نيكولا ساركوزي وهو سيزور باريس وسيشارك في احتفالات عيدها الوطني. وفي سياق عملية إعادة التموضع نفسها وافقت سورية على استقبال مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذين يسعون الى جلاء طبيعة الهدف الذي قصفته اسرائيل وقالت مع اميركا إنه منشأة نووية.

الفلسطينيون أيضاً في حال انتظار. مبادرة الحوار الأخيرة تندرج في هذا السياق. محاولة شديدة التواضع لاستكشاف إمكانية التراجع عن الطلاق الكامل داخل البيت الفلسطيني ومحاولة للاحتماء من أي مغامرة قد تقدم عليها اسرائيل لتوظيف السكتة الانتخابية الأميركية في شن عملية عسكرية واسعة ضد غزة.

لبنان بدوره يعيش حال انتظار. ليس سرّاً ان استقراره سيكون معلقاً في المرحلة المقبلة على طبيعة العلاقات التي ستقوم بين الإدارة الأميركية الجديدة من جهة وإيران وسورية من جهة أخرى. من حسن حظ لبنان أنه بات ينتظر في ظل رئيس للجمهورية. سيكون الانتظار أفضل إذا انخفض معدل الشراهة في المطالبة بالمقاعد الحكومية لتسهيل قيام حكومة وحدة وطنية تحاصر الفتنة التي لم يعد وجودها يحتاج الى دليل.

إنها حال انتظار إلزامية. حين يذهب الأميركيون الى انتخابات الرئاسة يأخذون العالم معهم. أفضل ما يمكن للعرب فعله في هذه المرحلة هو الانتظار تحت سقف الحوار وحصر الأضرار والامتناع عن سياسة المجازفات التي تحاول فرض أمر واقع متسرع وتقود الى الاصطدام بالإرادة الدولية.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل