
أولاً: اثبتت مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عقم السلطة السياسية الحاكمة وتجذرها في المصالح والمحاصصات السياسية والوزارية والسلطوية، والجديد الذي ظهر منذ ايام التشدد الشيعي من خلال الثنائي (حركة امل وحزب الله) ازاء التوقيع الشيعي وحقيبة وزارة المال.
في الوقت الذي تركزت فيه مبادرة ماكرون على محاولة ايجاد صيغة لمساعدة لبنان على منع سقوطه الكلي اقتصاديا وماليا ونقدياً، ما يتطلب تشكيل حكومة استثنائية للظرف الاستثنائي الذي يمر به لبنان، خصوصا غداة زلزال 4 اب، إذا بمحور 8 اذار وعلى راسه الثنائي الشيعي يأخذ البلد اراديا الى الزوال بطرحه تعديلات ميثاقية على صيغة الحكم تتطلب توافقات تأسيسية ووطنية ليس وقتها ولا وقت ترفها، وكأن لا ظروف استثنائية ولا ازمات وجودية ولا مأساة اجتماعية وانسانية ومعيشية.
كل المبادرة الفرنسية وخطة الطريق التي وضعت لها، تطلبت حكومة مهمات عمرها أشهر معدودة، بعيدة عن السياسيين والتسييس والمحاصصة الحزبية، تستطيع القيام بالإصلاحات المنشودة واستعادة الثقة الدولية كي تتمكن باريس من تأمين ما يمكن من مساعدات مالية لإبقاء البلد بالحد الادنى الممكن التنفس لحين التسويات الاقليمية الدولية. الا ان الثنائي الشيعي مصر على عدم التماهي مع طبيعة المرحلة الطارئة والاستثنائية، ذاهبا الى حد تخريب المبادرة الفرنسية، وكأنه يقول للبنانيين وامام التاريخ انه يتحمل مسؤولية الانهيار الكلي في لبنان ويقبل بالإمعان في مزيد من الانهيارات.
ثانيا: ما يحصل اليوم من تعقيدات يسببها الثنائي الشيعي يثبت بالدليل القاطع ان لبنان كما المنطقة يعانون من “المسألة الشيعية”، ولبنان ساحة الصراع الاقليمي والدولي الاسهل سيكون ساحة تصفية الحسابات بلا أدنى شك في المستقبل القريب.
فالمسألة الشيعية تنطلق من ثابتتين:
الاولى: ان معظم الشيعة اليوم يعيشون عصرهم الذهبي بوجود راعية اقليمية كبرى هي إيران، اتاحت لهم قلب المعادلات السوسيو ـ سياسية في المنطقة لصالحهم منذ هزيمة الامبراطورية الصفوية على ابواب دمشق منذ نيف وألف عام، فيعتبر بعضهم ان الفرصة الذهبية هذه لن تتكرر ما يوجب عليهم الخروج بأكبر قدر ممكن من المكتسبات، ومن ضمنها في لبنان من خلال تغيير الاعراف والمواثيق والمسلمات الوطنية في الحكم والإدارة.
الثانية: ان الثنائي الشيعي في لبنان الذي هو انعكاس للحالة الشيعية في المنطقة، يشعر بنوع من التطويق والمحاصرة بفعل اشتداد العقوبات واستراتيجيات المواجهة الاميركية ـ الايرانية وانضمام اوروبا في قسمها الاكبر الى فرض العقوبات على حزب الله وتصنيفه الارهابي، فيما فرنسا تكاد تكون الوحيدة التي لم تعتمد هذا التصنيف لغاية الان.
لذا، فإن هذا الثنائي يكاد يلعب اليوم اوراقه الاخيرة التي لن يتراجع عنها الا بثمن مقابل، حده الادنى المثالثة مقابل السلاح. وهنا بين الشيعة والسنة وبين الشيعة والمسيحيين. حتى ان الوزير السابق جبران باسيل حليف الحزب رفض في مؤتمره الصحفي الاخير المثالثة رفضا كاملا الاصطدام، فيما القيادات السنية وفي طليعتها رؤساء الحكومات السابقين ورئيس الحكومة السابق سعد الحريري في مقدمتهم، يرفضون تثبيت وزارة المالية للشيعة.
لذلك، فإن لبنان كله في مأزق ومصيره في مهب الرياح، ورب سائل: ماذا يعود ينفع العناد الشيعي بالتوقيع المالي ان لم يعد للبنان وجود ولا مال ولا اقتصاد ولا نقض ولا دولة؟
ثالثا: صحيح ان فرنسا لها مصلحة بنجاح مبادرتها في لبنان لاعتبارات استراتيجية وجيو ـ سياسية لن ندخل فيها الان، الا ان الصحيح ايضا ان للبنان مصلحة وجودية وكيانية في نجاح هذه المبادرة لإنقاذه، فالفرنسي اراد انقاذ الشعب اللبناني، لكن السلطة المتسلطة ولا سيما الثنائي الشيعي (نواة الطبقة الحاكمة العميقة) لا يريد الانقاذ ويستجر معه لبنان واللبنانيين الى المجهول لا بل الى الزوال.
واللافت في هذا الإطار، تحول نهج ودور رئيس مجلس النواب نبيه بري من مرجع اساسي للتسويات والمسهل ومدور للزوايا على مدار ازمات البلد في السنوات العشرين الاخيرة الى رأس حربة اسقاط المبادرات الانقاذية وتقديم شيعيته على لبنانيته والالتحاق بمركب حزب الله والتشدد تجاه الصيغة والميثاق غير آبه لا بلبنان ولا باقتصاده ولا بماليته ولا حتى بتشريعاته.
فهذا التحول ان دل على شيء فعلى انكشاف المحور الايراني ومعه الحزب وسياساته في لبنان، وسقوط ورقة التين الاخيرة عن مخططه الحقيقي القاضي برفض اي تنازل لفرنسا بانتظار الانتخابات الاميركية.
فإذا كانت طهران مرغمة على تقديم تنازلات (تعتبر الموافقة على تكليف مصطفى اديب وعلى تسهيل ولادة حكومة انقاذ غير سياسية ومستقلة في لبنان تنازلا سياسيا كبيرا)، فالحري تقديم هذه التنازلات للأميركي لا الفرنسي، عندما تحين ساعة التفاوض على الملفات الاقليمية الكبرى.
ومع ان الرئيس ماكرون كان واضحا منذ البداية مع جميع المسؤولين اللبنانيين والقوى السياسية التي التقاها، بفصله مبادرته عن الملفات السياسية الشائكة سواء الداخلية او التي تترابط مع ازمات المنطقة ومحاولة فصله بين انقاذ لبنان اقتصاديا وماليا ونقديا ومعيشيا واجتماعيا وبين السياسة التي لم تكن للحظة موضع اهتمامه، الا ان الثنائي الشيعي اثبت للفرنسيين ان حتى امداد لبنان بالأوكسيجين للصمود بالحد الادنى محكوم بالحسابات السياسية المحلية والاقليمية والا مجال في التعامل مع الملف اللبناني الا مراعاة الاعتبارات والحسابات السياسية والجيو ـ سياسية المحلية والاقليمية ومعادلات المواجهة الكبرى في المنطقة.
من هنا نفهم خلفية موقف الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله عندما اعتبر ان طرح الحياد في لبنان غير واقعي وغير قابل للتطبيق، لان في ادبيات الحزب وفي نهجه وسياسته واجندته الاقليمية لا يمكن للبنان ان يكون حياديا طالما احتاجته ايران ومتطلبات المواجهة الكبرى ، وليس اسرائيل ومتطلبات المقاومة بوجهها كما يحلو لهم القول، فايران لم تهاجم اسرائيل بقدر ما هاجمت الدول العربية، وايران لم تهدد امن اسرائيل بقدر ما تهدد امن العالم العربي والخليجي ، وايران المتحالفة مع تركيا في ملفات المنطقة لم تقطع علاقاتها بأنقرة لإقامتها علاقات سياسية وتجارية واقتصادية مع اسرائيل ولاستمرار اعترافها الرسمي بالدولة العبرية.
رابعا: يخطئ من يعتقد ان تصلب الثنائي الشيعي في الملف اللبناني معزول عن التصلب الايراني عشية الانتخابات الاميركية. فالمنطقة في ساعة الانتظار الطويلة المضنية.
وفي فترة الانتظار تمريرات صادمة تقلب المشهد الاقليمي: من انطلاق قطار التطبيع العربي مع اسرائيل الى انتقال ثقل العداء العربي من اسرائيل الى ايران ووصول التكنولوجيا العسكرية والشبكات الاستخباراتية الاسرائيلية عبر بوابة الخليج الى حدود ايران، الى انكفاء التركي عن التنقيب في المتوسط الشرقي بناء لضغط اميركي تمليه مصلحة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الانتخابية في نفس لحظة تلويح الفرنسيين والاوروبيين بعقوبات على أنقرة، الى تودد الرئيس التركي رجب طيب اردوغان لمصر ورئيسها وارسال اشارات دبلوماسية بالتعاون وامكانية الاتفاق، الى تحرك الصين وروسيا باتجاه ايران، مع انه من المستبعد ان تقبل الصين بالتضحية بأسواقها الخليجية والاسرائيلية من اجل اقتصاد ايراني متهالك وسواها من مشهديات.
فهل يكون للبنان قادر على انتظار بدايات العام 2021 لحل سياسي في المنطقة؟ التبعات كلها اليوم على الثنائي الشيعي، والتاريخ لا يرحم.
