#dfp #adsense

البطريرك… إذا حكى

حجم الخط

من يرصع كلامه بالعبرة، لا يمكن أن يكون كلامه تقطيعاً للوقت، كأولئك الحكائين ذوي الخمول والحظ المنكود، الذين يكسدون في أسواق الشرف والقيمة. وهؤلاء، مهما استظلوا بفناء من كان بينه وبين الكذب مدب، فلن يستر من مخازيهم ثنية.

البطريرك الراعي لم يقصر في الإبانة والدلالة، بعد أن لبس، ردحاً من الزمن، ثوباً من الصبر. والطواف في كلام سيد الصرح، يترجم ما عاصره من معاناة، ويعين اتجاهاته صوب الحلول التي كان صوته، فيها، حراً، جريئاً، ولا تتم الغايات إلا بها. فلماذا الإنكار، وكلام البطريرك يحلو ماؤه جرعاً، لأنه مدبر برأي وثيق، وإنصاف ما سد، على الوطن، طريقاً مسلوكاً.

البطريرك الراعي المخلص في مودته الوطنية، ينطلق، في كلامه، بعناية وتوازن، لأنه ينطق من فيض روحه. لقد آمن الراعي بأن لبنان أصل، حين تدرس درجة الوجود في الكيانات، فهو ليس طارئاً، ولا خطأً تاريخياً تلقفته الجغرافيا، بالرغم عنها. فلبنان، في وجدان البطريرك، من معلمي عمار الحضارة، في هذا الشرق، ومن بنائي العيش الراقي بين أقطاب هذا الأوقيانوس المتلون الإثنيات، ومن أساتذة الإسهام في تعميم طعوم التحديث، في إقليمنا الذي يجب أن يكون شديد الحماس إليه.

البطريرك الراعي من سلالة البطاركة الذين لم يكونوا، في تاريخ لبنان، إلا قياديين وطنيين، تأصل، في مواقفهم، الولاء للأرض، فكان الوطن، معهم، ينبوع نذائر. من هنا، لم يرض سيد بكركي، أن يتعاطف مع السكوت، وأن يكون الوطن فاسد الهواء، يعيش ناسه حياةً بطيئةً في ظل هاجس البقاء، فقدم له نبضات إنعاش، لا يأذن أن تسلب منه. وهي نبضات مخلصة تعيد الى الوطن نفسه الجهير، والى الهوية الوطنية عزها الذي انتهكت حرماته على أيدي الطارئين.

لقد فات الذين استحضروا الاتهامات، القرابة بين المنطق العاقل وبين الانفعال المبتذل. وإذا كانوا من صناعة الأزمنة البدائية، الذين لا يسري عليهم علم الأخلاقيات الذي يردع إرضاء شهوة التجني، والتحامل، فالحكم على سلوكهم الإدراكي، لن يحدث أي صدىً. ولكن، ينبغي وضع بعض ما ورد في كلام البطريرك، صاحب النضج وفروسية الخلق، في الإطار الوطني الصحيح.

في موضوع الحياد، أو عدم التحيز، فإن الابتعاد عن تبني إدراج الوطن في نظام التكتلات، يجنب الشعب والكيان الصراعات المسلحة، وشبح الحروب، ما يجعل لبنان واحة سلام منيعةً من أن تصبح دميةً تحركها الجهات المتصارعة، فتدفع الثمن من أمانها، وتقدمها، وحماية استقلالها وسيادتها. إن الانزلاق في أتون الصراعات، والولوج في سياسة المحاور، لم يؤديا إلا لمزيد من الخراب، والاعتداءات، والخسائر الاقتصادية، والتدخلات، وضياع ثقة المواطن بالوطن، فيتبخر الحلم بتحقيق مستقبل زاهر في غد واعد. وما المقارنة بين مرحلة الحياد التي عبرها لبنان، في ستينيات القرن الماضي، ونصف سبعينياته، وما رافقها من أمان وبحبوحة وازدهار، وما آلت إليه حال الوطن، بعد ولوجه القسري في دائرة الاشتباكات الإقليمية، والدولية، ولما يزل، حتى الساعة، من انهيار شامل، وخوف من زوال الكيان، سوى دليل واضح على أن النأي بالنفس هو أفضل الحلول لخلاص الوطن من هذا المأزق المميت، والمصير الأسود الذي يتوعدنا.

في موضوع الطائف، والمادة التي حددت المناصفة بين الطوائف في تولي المسؤوليات الرسمية، فالدستور لم يلحظ، بتاتاً، الوضع الديمغرافي والتنامي العددي، كفرضية تغييرية ملزمة، وذلك استناداً الى ميثاق العيش الواحد بين شرائح المجتمع الوطني. كما أن الدستور لم يحدد مآل الوزارات الى الجهات السياسية والطائفية، فتركت على قاعدة التوافق، وأهلية المرشحين الى هذه المناصب. وإذا كان لا بد من ميثاق جديد، أو ما يحكى عن اقتراحات لتعديل في الدستور، فلنعد، جميعاً، بادئ ذي بدء، الى كنف الشرعية، متساويين تحت حكم القوانين، بعيداً عن الاستقواء بالسلاح، وبالخارج، ساعتذاك، يمكن الجلوس الى طاولة تفاوض، لتحديد النظام الأمثل للجميع، ومن دون إكراه، أو تختار كل فئة نظامها، بحسب ما تجده مناسباً لها.

في موضوع العمالة، ينبغي، أولاً، تحديد مفهوم العمالة، لنصل الى تحديد من تنطبق عليهم هذه التهمة الشنيعة. إن الولاء هو الطرف المقابل المناقض للعمالة، والولاء يعني الوفاء للوطن، والإخلاص له، ومناصرته، بحيث يشكل الولاء محور كل الفضائل الوطنية. إن الانتماء الى الوطن لا يعتبر، في الضرورة، دليلاً على الولاء له، فاقتناء بطاقة الهوية لا يعني، حتماً، أن حاملها قد نشأ بينه وبين وطنه عقد، أو رابط لا تزول بنوده، بحكم الظرف أو المصلحة. والعمالة هي، تحديداً، التخلي عن القيمة العليا المطلقة التي تتحكم في وجدان المواطن، وسلوكه، فيتحول ولاؤه لوطنه الى ولاء رديف لبلد ما وراء الحدود، وهذا ما يعرف بالخيانة العظمى. من هنا، فمن تصدعت منظومة ولائه الوطني، وجاهر، في مضمون سلوكه، وكلامه، وتوجيهه، بالولاء الى مرجعية غريبة، أو دولة بديلة، أياً تكن هذه المرجعية أو الدولة، ينطبق عليه وصف العميل الخائن. لذا، فالاستنسابية في اتهام الناس بالعمالة، مردودة، مهما كان خطاب المتهمين عالي النبرة.

أيها البطريرك السيد، الناس لا يكرهون، أحياناً، الآخرين لعيوبهم، بل لمزاياهم، وإذا أطالوا الكلام، بشطط، وانفعال، فذلك دليل على أن ليس لديهم ما يقولونه، فهم يعيشون في العصر الرديء، بحيث لن يقدر لهم أن يفهموا حقيقة ما ترمي إليه، وما ترمي إليه هو خلاص لبنان. فإلى أن يأتي يوم، يتصالح الوطن لديهم مع نفسه، سوف يرتقون الى الحقيقة الوطنية التي تورق بأرضك.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل