
يكاد يشكل الحديث عن كيفية الانفصال الكليّ عن حزب الله وسبل تحقيق هذا الخلاص، محور نقاشات شرائح واسعة من اللبنانيين يومياً بعد استفحال خطورة مشروعه الإقليمي المهيمن على البلاد وانعكاساته المتفاقمة على الصعد الثقافية والاقتصادية والأمنية على حدٍّ سواء.
ويبدو من اللافت أنّ مصطلح “إنفصال” هو الأبرز من ضمن العبارات المستخدمة في قاموس اللبنانيين على أنّه الحلّ للأزمة العاصفة بالكيان، انطلاقاً من معادلة واضحة: ضرورة تحرير الدولة من الدويلة أو ضرورة اقتلاع الدويلة من الدولة. وإذا كانت أصوات المواطنين تعبّر بطرق عفويّة عن هذه الصرخة، إلّا أن ترجمة هذه الأفكار باتت تشكّل مادة دسمة للتداول في الإعلام من قبل مفكّرين وكتّاب، يعبّرون عن عُصارة مقترحاتهم وتناول السبل المتاحة للانفصال عن “حزب الله” من طريق البحث عن ترسيمة حدود جديدة للبنان أو ما يسمى علمياً الكونفدرالية. أما لماذا اختيار هذا المصطلح تحديداً، ذلك أن أزمة لبنان لا تطاول مسألة تنظيم العلاقات الاجتماعية أو التقاليد والعادات المناطقية بل إنّها مشكلة تتعلّق بالسياسة الخارجية وموقع لبنان السياسي بالنسبة إلى العالم.
طبعاً، التعبير الشعبي المستخدم على الطريقة اللبنانية هو “التقسيم”. وتجدر الاشارة إلى أنّ ثمة عدم تعمق في معنى المصطلحات من قبل عدد من المواطنين الذين يُسقطون صفة فيدرالية على مطالبهم التي لا يمكن تحقيقها إلا من خلال تحقيق الكونفدرالية.
علمياً، لا تحقق الفيدرالية نتائج متقدّمة على الصعيد السياسي، إذا بقيت آراء المكونات التي تشكّل المجتمع اللبناني متضاربة حيال السياسة الخارجية. ولا يمكن لترجمة الفيدرالية إذا طبّقت في الوضع اللبناني الراهن، أن تؤدي إلى حلول في حال بقيت هيمنة حزب الله مستمرّة على الدولة والسياسة الخارجية، وإذا لم يُسلم السلاح ويتحرر لبنان من واقعه الحالي كجزيرة إيرانية. ويذهب مؤيدو فكرة التقسيم (أي الكونفدرالية) إلى استخدام عبارة “فيدرالية غزّة” إذا فكّر البعض في رسم أي صيغة فيدرالية من دون حلّ لمعضلة سلاح “حزب الله” وتحرير سياسة لبنان الخارجية. وتؤكّد هذه القراءة أنّ المشكلة ليست في دستور لبنان ولا حاجة إلى تبديله أو البحث عن صيغ جديدة. المعادلة واضحة: نزع السلاح يساهم في إيجاد لبنان طريقه إلى الخلاص.
في الانتقال من جانب الأفكار العلميّة إلى المعطيات السياسية، تفيد معلومات “النهار” بأنّ الكلام عن ترسيم حدود جديدة للبنان وسوريا هو موضوع يتناوله مستشارو زعماء سياسيين بجديّة تامّة منذ أشهر في ظلّ أزمة اقتصادية مترافقة مع أزمة سياسية هي الأخطر في تاريخ لبنان الحديث وقد لا تجد طريقها إلى الحلّ. ويرى هؤلاء أن المنطقة يمكن أن تشهد في السنوات المقبلة ولادة دول جديدة عدّة مع تبدّل في خرائط ترسيم الحدود التي ستولد منها هذه الدول.
بغضّ النظر عمّا إذا كانت هذه الأجواء التي تتناول الخريطة الجغرافية في المجالس السياسية منطقيّة أم أنّها بعيدة عن الواقع أو ربّما لا يزال من المبكر الحديث عنها، إلّا أنّ ما هو مؤكّد الآن أن ثمّة مؤشرات جديّة تتخوّف من زوال لبنان عن الخريطة المالية العالمية ما يجعله نموذجاً كاملاً من نماذج المحور الإيراني والفنزويلي. من هنا، تتصاعد التحذيرات من أن يكون هدف حزب الله وراعيته الاقليمية من تعطيل ولادة الحكومة ومصادرة القرار في البلاد هو نسف الهوية المالية للبنان وتحويله إلى دولة مارقة.
وتقول مصادر مصرفية رفيعة لـ”النهار” إن الزوال عن الخريطة المالية يعني عدم تعامل المصارف المراسلة مع لبنان في وقت تقلّص فيه التعامل كثيراً معنا في المرحلة الحالية بنسبة فاقت الـ60%. وإذا توقّف التعامل بشكل كليّ مع المصارف اللبنانية، يعني ذلك غياب القدرة على فتح الاعتمادات مع المصارف المراسلة وانتفاء القدرة على الاستيراد أو شراء البضائع، وتتحوّل الدولة إلى مهترئة اقتصادياًّ بشكل كامل، ما يعني انعزال لبنان عن العالم الخارجي وتوقّف القدرة على شراء أو بيع العملات الصعبة. ويشير هذا الواقع المأسوي إلى الدخول في المجهول والعودة إلى القرون الوسطى. فماذا يفعل رجال الأعمال والمؤسسات؟
وتؤكّد المصادر المصرفية أنّ دعم السلع سيتوقف في حدود شهر وعندها من الطبيعي علمياً أن يرتفع سعر صرف الدولار، وهو باشر في الارتفاع خلال الأيام الماضية في ظلّ غياب الثقة الداخلية، ما يدفع المواطن إلى البحث عن شراء العملة الصعبة. ويعني توقيف الدعم غياب قدرة الدولة اللبنانية على إنفاق أي مبلغ واتجاه التجار إلى شراء العملة من السوق ما يؤدي إلى ارتفاع الدولار إلى معدلات أعلى. وترجّح المصادر أن يرتفع الدولار إلى حدود 20 ألف ليرة في المرحلة القريبة المقبلة، إذا لم تشكّل حكومة ويباشَر في تنفيذ الحلول التي يمكن أن تحسن الأوضاع ببطء ليعود سعر الصرف إلى حدود 5 آلاف ليرة.
وترتبط المسألة بسرعة ضخّ الدولارات، علماً أنّ سعر صرف الـ8 آلاف ليرة، صار اليوم جزءاً من النظام المالي في لبنان بعدما استقرّ مدى أشهر على هذا السعر. أمّا إذا عاد سعر الصرف واستقرّ على 20 ألف ليرة مستقبلاً، سيتحول هذا السعر أيضاً إلى جزء من النظام. وسيدفع غياب أفق الحلول الاقتصادية إلى التفكير أكثر في الانفصال بسبب ظروف اجتماعية مرتبطة بغياب مقومات العيش أو القدرة على الاستمرار.