لم تتأخّر لتظهر سريعاً نيّة 8 آذار في الاستئثار بالحكم، ولم تجهد قيادات هذا التكتل نفسها، لتخفي شبقها الى السلطة، ورغبتها في الغاء خصومها سياسياً، رغم انها استخدمت باطنيتها حتى الثمالة، وهي تدعو في الوقت الضائع الى تشكيل حكومة انقاذ يشارك فيها الجميع، واغلب الظن ان محرّكي تكتل 8 اذار، لم يأخذوا في حساباتهم للامساك بالحكم، ان قيادات 14 اذار ستدخل باب الحوار مع الرئيس المكلّف تشكيل الحكومة نجيب ميقاتي، في محاولة ذكية منها لملاحقة 8 آذار الى باب داره.
تحاول الاكثرية الجديدة التي امّنت اكثريتها بطرق اصبحت معروفة من الجميع، ولا افادة من الاعادة، ان تسوّق مسارها الجديد تحت يافطة انها قامت بحركة ديموقراطية دستورية لتصحيح الاوضاع و«المحافظة على السلم الاهلي»، وكأن السلّم الاهلي في لبنان، يتحقق باستبعاد اكثر من ثمانين بالمائة من اهل السنّة، واكثر من نصف عدد المسيحيين، وبترهيب الاكثرية الساحقة من الدروز، وكأن تصحيح الأوضاع يتمّ بتجاهل الدستور، وبالتنكّر للمعاهدات والاتفاقات مع الامم المتحدة، وبتعريض لبنان الى عزلة عربية وغربية، وبتكريس منطق فرض سلطة القوّة على الشريك الاخر.
ان الذين يعيشون حقيقة هاجس الأمن والسلم الاهلي وصيغة العيش الواحد ونهوض الدولة وتعزيزها ولا يرتبطون سياسياً بفريق معيّن، يعتبرون اليوم، ان 8 آذار، بمعزل عن رفض او قبول اكثريته الجديدة التي ابصرت النور بولادة غير طبيعية، يفرّط بفرصة لن تتكرر، لاجراء مصالحة حقيقية بين مختلف الافرقاء، بدلاً من تعمّد توسيع مساحة الخلاف بينه وبين اكثر من نصف عدد اللبنانيين، ويعتبر هؤلاء ان الشعارات التي يكشف عنها بعض قياديي 8 آذار، وفي طليعتهم العماد ميشال عون، حول تغيير جذري يجب ان يطال السياسيين والاعلاميين والعمل الاداري والحكومي، تنذر بأن البلاد مقبلة ليس على حكومة انقاذ وطني، بل على انقسام وطني كبير، وفترة سوداء ظلامية من الكيديّات على انواعها، ومن قمع للحريات على اختلافها، قد تكون نتائجها انزلاق البلد، ليس نحو مواجهات سياسية قاسية وحسب بل الى مواجهات عنفية، واضطرابات، ليست بالطبع في مصلحة البلد عموماً، وليست في مصلحة المقاومة خصوصاً، ولذلك يجب الا يغيب عن بال 8 آذار ان جمهور 14 آذار ليس «حبّتين» بل هو جمهور عريض على مساحة لبنان كلّه، ممتلئ غضباً وبكثير من الحقد، وهو على ما تبيّن مؤخراً، وسيظهر لاحقاً، انه ليس وحده في هذا العالم.
* * * * *
جميع اللبنانيين باتوا يدركون ان هناك آلة اعلامية دعائية تمّ تركيبها في بداية التسعينات من القرن الماضي، وتضمّ عدداً من محترفي السياسة والشائعات وفبركة الاخبار، وتعميمها على وسائل الاعلام عن طريق بعض الهيئات والجمعيات والنوادي الوهمية التي تظهر غب الطلب، اضافة الى شخصيات صوتية ثانوية، وفريق محسوب على الصحافة والاعلام، ارتضى ان يكون صوت سيّده وقلمه، كانت مهمة هؤلاء جميعاً وما زالت شتم رجالات سياديين، كان احدهم في يوم من الايام، العماد ميشال عون، الا ان التركيز كان بداية على البطريرك الماروني الكاردينال نصرالله صفير، الذي حمل على منكبيه قضية السيادة والاستقلال والحرية.
هذه الجوقة، لزمت جحورها، بعد انتفاضة 14 آذار، ولكنها خرجت الى الضوء مجدداً، بعدما وضعت خططاً واهدافاً وشعارات وشائعات جديدة، تتناسب والوضع المستجدّ، فشطب العماد عون من لائحة الشتم، بعدما صار من اهل البيت، وحلّ محلّه الدكتور سمير جعجع والرئيس امين الجميّل ورئيس الحكومة الاسبق فؤاد السنيورة وجميع قوى 14 اذار وفي مقدمهم رئيس حكومة تصريف الاعمال سعد الحريري، الا ان الحصّة الكبيرة من الشتائم والاتهامات والشائعات بقيت من حصّة البطريرك صفير بطل الاستقلال الثاني دون منازع.
بعد الانقلاب الاخير، تناولت جوقة الشتم هذه جرعة كبيرة من مصل السفاهة، وفتحت «باجوقها» على اتّساعه ضد قوى 14 اذار، وخصصت البطريرك صفير بحصّة حرزانة من الاكاذيب والشائعات والقدح والذمّ، دون ان يقف واحد من قيادات 8 آذار يقول لهؤلاء الشتّامين: عيب.
لهؤلاء جميعهم، يقول اللبنانيون الحقيقيون المؤمنون بالحق والخير والجمال، ان نطحكم صخرة بكركي من شأنه كسر قرونكم ورؤوسكم، وان التاريخ سيذكر هذا الرجل بين ابطاله وقديسيه، امّا النكرات فلا ذكر لها، ولا مكان سوى المكان الذي يليق بأمثالها.
سيدنا البطريرك، لك منّا كل الحبّ والاحترام والولاء والخضوع، اعطيت لبنان الكثير الكثير، ولم تطلب شيئاً في المقابل سوى الحضّ على الالفة والوحدة والتعاون والتمسك بالارض والحرية والدولة، مجد لبنان اعطي لك، ومجد لبنان سيبقى لك ولأسلافك وللذين سيأتون بعدك. ويا جبل ما يهزّك ريح.