لم تكن فكرة ما يسمى "الحج إلى براد" سنويا أو الاحتفال بعيد القديس مارون في حلب فكرة عونية بالأساس، إنما هي كناية عن "خطة" سورية محكمة بامتياز هدفها خلق وإيجاد نقطة جذب عاطفية وارتكاز وجدانية للموارنة في سوريا بغية ربطهم سياسيا بالنظام البعثي تمهيدا لضرب الممانعة المسيحية التاريخية حيال النظرة السورية الاستتباعية للبنان.
فالنظام السوري، وكما هو معلوم، يعمل على أربعة محاور أساسية:
المحور الأول يرتكز على النظام الأمني-العسكري الممسوك علويا.
المحور الثاني يتمثل بدور السمسار الإقليمي حتى ولو أدى ذلك إلى التعاون مع إسرائيل والإدارة الأميركية مع حرصه على رفع شعار العداء لهما كشعار للتعمية وتضليل الجمهور.
المحور الثالث يقوم على جعل الطائفة الشيعية في لبنان رديفا لهذا النظام.
المحور الرابع يهدف إلى استلحاق الطائفة المسيحية بهاتين القوتين بواسطة الشخصيات والقوى المسيحية، وآخرها النائب ميشال عون، على أساس فكرة الأقلية التي تبحث عن حليف إقليمي في مواجهة الشريك المسلم في لبنان.
فمن الاتفاق الثلاثي في العام 1986 إلى 7 أيار 2008 (ترهيب وليد جنبلاط وتخويفه) وما بينهما وثيقة التفاهم في 6 شباط 2006 الهدف ما زال نفسه وهو إنجاح تحالف الأقليات في لبنان بمظلة سورية ضد الشريك الملسم. ولكن نجاح النظام السوري إن في جعل الطائفة الشيعية بواسطة حزب الله رديفا لهذا النظام، أو في إخضاع الطائفة الدرزية، اصطدم باستمرار بالحاجز النفسي المسيحي قبل السياسي، هذا الحاجز النفسي بالذات الذي يحاول النظام السوري كسره من أجل التطبيع مع الحالة المسيحية وطبعا على حسابها، أي كسر العدائية المسيحية بـ"العزف" على وتر المسيحيين العاطفي من خلال إظهار نفسه بالـ"الحاضن" للوجود المسيحي الديني والتاريخي في عملية تطوير مبرمجة لنظرية الأسد الآب عن "شعب واحد في دولتين"، واعتقادا منه بأن اختراقه لهذا الجدار النفسي يتيح له استلحاق لبنان واستتباعه كليا وأبديا.
وعندما لاحظ الأسد فشل كل المحاولات السياسية الاستيعابية للمسيحيين لجأ إلى البعد الديني العاطفي عله يحقق على هذا المستوى ما فشل في تحقيقه سياسيا، ولكن ما سها عن باله وعن بال وعون هو أن حماية الحضور المسيحي يبنى على صخرة الوجود المسيحي في لبنان تحديدا، ولسبب جوهري هو أن الوجود المسيحي في لبنان محصن بنظام سياسي يضمن الشراكة الحقيقية مع المسلمين، بينما لا وجود لهذه الشراكة المكرسة دستوريا وميثاقيا في أي بلد عربي أو إسلامي، إما لكون هذه الأنظمة تعتبر الإسلام مصدر تشريعي أساسي للحكم فيها، وإما لأنها أنظمة علمانية أو تدعي العلمانية مثل النظام السوري أو العراقي سابقا، وبالتالي لا ضمانة لهذا الوجود في تلك البلدان، لأن هذا الوجود، بالتجربة، يتعرض للخطر عند كل صعود للعصبيات الطائفية، ويتحول هذا الخطر وجوديا عندما تتراكب العصبيات الطائفية على العنف والإرهاب كما حدث في العراق ومصر مؤخرا.
كما أن مسألة طبيعة الدولة هي مسألة مركزية في قضية الوجود المسيحي في الشرق، ذلك أن الدولة ينبغي أن تكون هي الحامي الأساسي لهذا الحضور، وإذا لم تكن الدولة ديمقراطية حقا فإنها لا تستطيع توفير هذه الحماية، فلا مستقبل للوجود المسيحي الحر خارج دولة مدنية ديمقراطية سيدة على أرضها. وفي حال لم تكن الدولة قادرة وبالتالي مهددة بالانفراط كما يحدث في المنطقة العربية اليوم فإنها أيضا لا تستطيع أن تشكل ضمانة لهذا الوجود المسيحي. ومن هنا يكتسب لبنان بصيغته وتجربته أفضلية قصوى في حماية هذا الوجود.
ومن يدعي الحرص على الإرث المسيحي إظهارا لعلمانيته المزيفة لا يضع كل ثقله لإضعافهم في مركز ثقلهم الأساسي لبنان، خصوصا أن كل ما أصاب المسيحيين من وهن وضعف على امتداد العقود الأربعة الماضية سببه سوريا واستهدافها المنهجي لهم. ومن ثم إن الوجود المسيحي في سوريا وفي كل نواحي الشرق هو ومجرد وجود صوري، بينما الوجود المسيحي الوحيد والفعلي هو في لبنان، والحفاظ على المسيحيين المشرقيين يبدأ من لبنان لا العكس، وأي مقاربة لا تأخذ هذه الحقيقة وهذا الواقع في الاعتبار والحسبان تعني مزيدا من إضعاف المسيحيين وتهميشهم في مركز قوتهم الأخير في لبنان، وهذا يدخل من ضمن أولويات الأجندة السورية، لأن إضعاف المسيحيين هو إضعاف للدولة في لبنان، وإضعاف الأخيرة يعني استمرار لبنان ساحة مستباحة لسوريا وإيران.
ومن يدعي الدفاع عن مسيحيي الشرق، على شاكلة عون، لا يلتحق بمحور إقليمي في مواجهة دول العالم قاطبة، ويجعل المسيحيين خارجين عن الشرعيات الثلاث: المحلية والعربية والدولية. فمصلحة المسيحيين هي في التحالف مع قوى الاعتدال لا التطرف، ومع القوى الساعية للسلام لا الحرب، ومع القوى الحكيمة لا المغامرة، ومع القوى التي تدعم الشرعية في لبنان لا السلاح غير الشرعي، ومع القوى التي تريد أن يعود لبنان دولة فعلية وطبيعية لا استمرارها دولة شكلية محكومة بظروف استثنائية وتعمل لخدمة ولي الفقيه عوضا أن تكون أولويتها لبنانية صافية ونهائية.
لا مستقبل للمسيحيين في لبنان من دون استقرار. ولا ريادة أو فعالية مسيحية في ظل أوضاع غير مستقرة. ولا استقرار من دون دولة. ولا دولة خارج الشرعيتين العربية والدولية. وأي دعم لسلاح خارج الدولة على غرار دعم النائب ميشال عون لسلاح حزب الله هو إمعان في إضعاف الوجود المسيحي في لبنان وخروج تام عن ثوابت المسيحيين التاريخية.
ومن هذا المنطلق إن أهداف ما يسمى بالحج إلى براد مكشوفة، والمسألة لا تتعلق إطلاقا بنشأة الموارنة وأصولهم، إنما بحضورهم السياسي داخل بنيان الدولة اللبنانية الذي يضطلعون داخله بالدور الأول في هذا الشرق، وهذا فضلا عن أن واقعة براد غير مثبتة تاريخيا، إنما هي جزء لا يتجزأ من "خديعة" سورية للمسيحيين بهدف استمالتهم عاطفيا، وللغرب بهدف استمالته سياسيا من أجل الإقرار بدور النظام السوري وحمايته…
