#dfp #adsense

وسطية فقدت وسطيتها!

حجم الخط

إن عنوان الوسطية أو ما يُسمى بالفرنسية (Centrisme) يفترض في رافعه أن يقف مبدئياً في مكان وسط. وهذا الوسط لا وجود له إلا نسبة لطرفين آخرين على الأقل.

وكأي تيار سياسي يكون للوسطية مبادئ تقوم عليها، يُدافع عنها أصحابها، وتُقاس قوتها وفاعليتها بعدد المنضوين تحت لوائها ونوعيتهم.
لذلك، يجري في دول العالم بعد كل انتخابات تعداد للقوى وأحجامها بحيث يُعلن ما ناله كل حزب من نسبة أصوات أو مقاعد.

ولكي يحكم أي من هذه الأحزاب عليه إما التمتع لوحده بأكثرية كافية لذلك أو أن يتحالف مع حزب أو أحزاب أخرى.
وعندما يكون حزب الوسط كما هي حالنا اليوم ممثلاً بنائب واحد ورفيقه فلا يعود من جهة لترغب في التحالف معه إلا إذا نقصها صوتا هذين الرفيقين.

لقد أصبحت الأكثرية الجديدة معقودة لقوى 8 آذار بعد التحاق النائب وليد جنبلاط بها، وعليه تكون أي خطوة تقوم بها هذه الأكثرية باتجاه دولة الرئيس نجيب ميقاتي لا تعدو كونها إلا لأنه يمتلك قيمة مضافة تحتاجها هذه الأكثرية وهي ليست موجودة عند سواه. لذلك نقول: نعم جرى اختيار الرئيس ميقاتي، لأنه سُنّي ولأن هذه الأكثرية بحاجة الى سُنّي يُمكنها تسويقه والعبور به الى رئاسة الحكومة.

وبنتيجة ما تقدم يكون دولته فقد وسطيته لأنه لن يعيش هو وحكومته إلا بأصوات 8 آذار. نستذكر هنا المثل الفرنسي الذي يقول: "qui donne ordonne" أي "أن الإمرة تعود لمن يعطي"! والذي يعطي اليوم هو فريق 8 آذار..!

نستدرك لنقول: صحيح يمكن للرئيس ميقاتي، كونه قدم شيئاً ثميناً لفريق 8 آذار ألا وهو سُنّيته، أن يرفض الرضوخ لشروط فريق 8 آذار.
ولكن هل بوسعه انتزاع حصة الاعتدال والوسطية في تشكيل حكومته؟؟ هذه الحصة التي تحول دون استئثار فريق 8 آذار وكيديته؟؟
نظرياً يمكنه ذلك! عملياً لا يمكنه ذلك على الاطلاق إلا إذا ساعدته في ذلك سوريا.

وسوريا لن تفعل كرمى لعيون فريق 14 آذار أو خدمة للرئيس ميقاتي إلا إذا تأكدت أنها عادت لتكون عبر "فريقها" في الحكومة هي الجهة المرجحة إن لم نقل المقررة. هنا أيضاً لا يعود من معنى لوسطية دولته..!

كما يجب اللفت الى أنه ليس بوسع دولته أن يضع نفسه موضع المحايد أو الوسيط (médiateur) بين كل الأفرقاء وذلك لأسباب عدة.
أولها: لأن الوسيط أو المحايد يجب أن يكون مقبولاً من الأطراف التي يتواسط بينها وهذا أمر غير متوافر.

ثانيها: لأن الحياد الذي قد يتغنى به البعض يعني بالنسبة الى رئيس الحكومة، أي رئيس حكومة كان، أن لا سياسة ولا برنامج ولا أفكار عند هذا الرئيس بل إن كل جهده سيكون منصباً على التوفيق بين سياسات الآخرين وأفكارهم!! لذلك نقول يجب أن يكون للرئيس منطلقات واضحة وثابتة فإن أرادت غالبية الوزراء عبر التصويت الدستوري مخالفة مبادئ دولته وقناعاته، كان عليه أن يستقيل فيُخرج الجميع من اللعبة، أو يقوم خلال مرحلة التأليف، وهذا أجدى، بتشكيل فريق وزاري ممن يقترب من مبادئه الوطنية وقناعاته وحتماً وسطيته. بتعبير آخر من حق فريق 14 آذار وكذلك فريق 8 آذار وقبلهما اللبنانيين عامة أن يعرفوا سلفاً رأي دولته من أمور أساسية في غاية الحساسية ولا يصح قوله إنه غير مستعد لإعطاء أي التزامات أو تعهدات! لأن الشعب وممثليه المنتخبين يريدون أن يعلموا منذ الآن آراء دولته بشؤون مصيرية، وإلا أصبح رؤساء الحكومات أشخاصاً لا لون ولا طعم لهم سوى لون وطعم أكثريات ليست فعلاً لهم "تستعملهم" لكي تحقق سياساتها كاملة، كما حصل أيام دولة الرئيس سليم الحص الذي صرّح بأنه انصاع لقرار الأكثرية في مجلس الوزراء خلافاً لرأيه بالنسبة الى قانون انتخابات سنة 2000. هكذا يصبح دور رئيس الحكومة مهمشاًً ويصبح الوطن في مهب الرياح العاتية، فهل هذا هو المطلوب اليوم؟ وهل يخدم ذلك الوطن ومؤسساته الدستورية؟ أم يضيّع السلطة ويجعلها كما في السابق بحاجة دائماً الى تدخلات ومونات أخوية للفصل بين الأطراف؟؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل