#adsense

ميقاتي يختار “جنّة لبنان” أم “نار الحزب الحاكم”؟

حجم الخط

صحيحٌ أن رئيس الوزراء المكلف نجيب ميقاتي انتزع من اجتماع دار الفتوى غطاءً سنياً يُعينه في مخاض التأليف، بيدَ أن الأهم يتمثل في انتزاع الاجتماع من ميقاتي "إلتزامات" لم يكن حتى الأمس في وارد تقديمها، ولم يعد ممكناً أن يتجاوزها بعد اليوم، لأن ذلك سيُجرده من هذا "الغطاء السني" السياسي والروحي.

ليس صحيحاً أن الرئيس المكلف تجاوز "الكمين" وانتزع "التكليف السني". هناك وجهة نظر تقول إن ميقاتي، بحضوره وموافقته على بيان "الثوابت الإسلامية والوطنية"، تحرر من "التكليف الشرعي"، أو بالأحرى من "الكمين المحكم" الذي نصبه له "حزب الله" الحاكم عند "التكليف" الذي تم بقوة سلاحه غير الشرعي، لا سيما وأن ما يجري في "التأليف" أظهر بما لا يدع مجالاً للشك أن ميقاتي لن يكون إلا "الحلقة الأضعف" في حكومة يرأسها بالاسم، في ظل قيام "الأوصياء" عليه بتفصيل الحكومة الجديدة على مقاسهم، تشكيلةً وبياناً وزارياً، تمهيداً لمرحلة انتقامية بامتياز، بعكس ما يصرح الرئيس المكلف بأننا في "مرحلة انتقالية"، وإلا سيقولون له "يعطيك العافية"، كما هدده الوزير السابق وئام وهاب.
بهذا المعنى، لم تكن مشاركة ميقاتي في اجتماع دار الفتوى صورية، بقدر ما كانت "حماية لظهره" من الألغام التي زرعها حلفاؤه في وجهه، سواء بالنسبة الى تحسين شروطه في تأليف الحكومة أو مضامين البيان الوزاري الذي يراد منه الانتقام من المحكمة الخاصة بلبنان، ما يعني صوابية الرأي القائل بأن "ما بعد اجتماع دار الفتوى هو غير ما قبله"، لا سيما وأنه رسم سقفاً لبرنامج الحكومة المنوي تشكيلها قاعدته التزام المحكمة واتفاق الطائف والنظام العام.

وما يعزز وجهة النظر هذه، أن الإيحاء بأن ميقاتي أتى إلى رئاسة الحكومة بتغطية عربية ودولية لم يكن دقيقاً، ما يعني أن "مأزق ميقاتي" لم يكن مقتصراً على المعارضة الداخلية لتكليفه الذي تم بالإكراه والخديعة فحسب، إنما يتعداه إلى الخارج أيضاً، حيث لا قبول بحكومة لـ"حزب الله" الحاكم تنتقم من المحكمة الدولية ومن التزامات لبنان حيال الشرعية الدولية.

ومن هنا جاء موقف الرئيس ميقاتي لـ"الحياة" القائل بأن أي قرار بشأن المحكمة يحتاج إلى إجماع لبناني ودعم عربي، في ظل ما يتردد من معطيات عن قبول ميقاتي التكليف على أساس معادلة واضحة تقضي بإنتاج مظلة عربية تغطّي أي قرار بشأن المحكمة، إذ تبين أن هناك التباساً في مواقف العواصم المعنية بالمحكمة، لا بد من استيضاحه، لأن أي خطوة يقوم بها ميقاتي بخلاف هذه المعادلة، ستكون خطوة في المجهول.

وبعد كل ما تقدم، يبقى السؤال: كيف سيتعامل ميقاتي مع الواقع الجديد بعد بيان اجتماع دار الفتوى؟ هل سيعيد حساباته، ولا يفرط بما يمكن اعتباره "المصالحة" التي تمت في دار الفتوى؟ هل سيبادر إلى "تبرئة ذمته" مما حصل من تجاوزات في التكليف، ولا يكررها في التأليف في ظل دفع فريق "حزب الله" الحاكم نحو حكومة من "لون واحد"، خصوصاً وأن الرئيس عمر كرامي الذي لم يحضر الاجتماع استغرب كيف يذهب الرئيس المكلف الى مثل هذا الاجتماع الذي أصدر بيانا "تضمن التزامات واضحة عجيبة غريبة، وألزم ميقاتي بأمور لا نعرف كيف سيفي بها او سيخرج منها".

كل ذلك يبقى رهن تعاطي ميقاتي مع التطورات، خصوصاً وأن عقبات التأليف التي يرفعها حلفاؤه في وجهه، أكثر من أن تعد أو تحصى، لاسيما وأن اجتماع دار الفتوى وضع على حد تعبير النائب سمير الجسر "إطاراً للأداء السياسي ورؤية واضحة يمكن للرئيس ميقاتي الاتكاء عليها للخروج من الأزمة الحالية"، فهل يتلقف ميقاتي الفرصة ولا يضيعها، ولا يكرر مجدداً مسرحية الخديعة، ولا يكمل في طريق "المحرقة السياسية" التي يسير بها؟.

وأكثر من ذلك، إذا كان اجتماع دار الفتوى محطة مفصلية، فإن "محطة مفصلية" اخرى لن تتأخر، وهي الذكرى السادسة لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط الجاري في مجمع "البيال"، حيث ينتظر أن يرسم الرئيس سعد الحريري خارطة طريق للمرحلة المقبلة، انسجاماً مع المعادلة التي حددها بأن "ما قبل الاستشارات شيء وما بعدها شيء آخر".

ولا بد في هذا السياق من تلمس ردود فعل "8 آذار" على مشاركة ميقاتي وموافقته على بيان اجتماع دار الفتوى، لا سيما "حزب الله" الذي كان موقف إعلامه سلبياً من الاجتماع، بما يؤكد أنه لن يكون راضياً عن استعادة الطائفة السنية وحدة الموقف، في وقت كان يعمل على تفتيتها وخطف قرارها وتجاوز إرادة أكثرية الشارع السني، في موازاة عدم رضاه عن موافقة ميقاتي، على بيان أقر بالتشوهات التي أصابت النظام الديموقراطي نتيجة غلبة سلاح "حزب الله" واستخدامه في العمل السياسي للتعطيل أو للسيطرة، وتحدث صراحة بالتجاوزات التي أحاطت ظروف التكليف والتجاهل لإرادة الناخبين وقرارهم، وحذر من التخلي عن المحكمة، إن بشكل مباشر أو غير مباشر، في برنامج عمل الحكومة المنوي تشكيلها.

إذاً، بات ميقاتي في وضع صعب لا يحسد عليه، بين مطرقة "حزب الله" وسندان "الغطاء السني" الذي أمّنه له اجتماع دار الفتوى سياسياً وروحياً. بمعنى آخر، بات أسير معادلتين، الأولى "جملة أصفاد" حددها "حزب الله" الحاكم لـ"تقييده"، و"خارطة طريق" رسمها اجتماع دار الفتوى لتحريره ولتصحيح المسار الانقلابي ـ الانتقامي الذي من شأنه أن يحرقه سياسياً إذا ما استمر مغامراً سائراً على دربه.
فأي المعادلتين يختار ميقاتي يا ترى؟ "جنة لبنان" أم "نار الحزب الحاكم"؟.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل