#adsense

مصر.. «باطل.. باطل»

حجم الخط

حتى تنقضي غيبوبة السَّكرة وتأتي صحوة الفكرة، انتهت أيام ثمانية عشر غلب عليها الخوف والقلق على مصر، وبعيداً عن ابتهاج المبتهجين في ميدان التحرير وشوارع مصر، كان السواد الأعظم من الشعب المصري الأغلبية الصامتة التي تشكل شريحة عريضة من كل شعوب العالم العربي، حزينة وخائفة، وسؤالهم الوحيد عن أمن مصر وسلامتها والقلق يعصف بها من العودة واحد وستون عاماً إلى الوراء، إلى الحكم العسكري!!

أزعم أنني من جيل لم يشهد واحدة من ثورات وانقلابات العالم العربي، بل من جيل عاش بين حقباتها وتحمل تبعاتها ودفع أثمانها من استقرار وطنه لبنان وأمنه وأمانه، لم أشهد مرة «كيف تقلب الشعوب صفحة»، تطوي حقبة أو مرحلة بدقائق قليلة، كان أمس يوماً عصيباً وأنا أشاهد كيف «انقلب» التلفزيون المصري في لحظة من تلفزيون النظام إلى تلفزيون الشعب، أما ما بينهما وفي قريب الأيام سيصبح تلفزيون «مجلس قيادة الثورة»!!

أزعم أنني من جيل سمع دائماً جملة تتردد على مسمعه: «مات الملك.. عاش الملك»، ولم أفهم يوماً هذه القدرة على إعلان الموت والحياة في لحظة واحدة، إلا أنني وعيتُ دائماً أن الشعوب العربية تمجد الحاكم وتسبح بحمده وهي واقفة في فناء الخوف، وتلعنه وتلعن تاريخه وكل إنجازاته حين يصبح هو في فناء الخوف وعلى وشك السقوط.

طوال الأيام الماضية ردد المتظاهرون المصريون كلمة:»باطل .. باطل»، هي كلمة تاريخية استمدها المصريون من السينما وتحديداً من فيلم «شيء من الخوف»، هي تلك الجملة الشهيرة: «جواز عتريس من فؤاده باطل»، والفيلم من إنتاج العام 1969 من إخراج حسين كمال وهو مأخوذ عن قصة قصيرة للكاتب الكبير ثروت أباظة. الفيلم تم تصويره بالأبيض والأسود على الرغم من إمكانية تصويره بالألوان لانتشار الأفلام الملونة في هذا الوقت، ويرجع ذلك لاستغلال المخرج حسين كمال لظلال الأبيض والأسود، والقصة تدور في قرية مصرية حيث يفرض عتريس (محمود مرسي) سلطته على أهالي القرية ويفرض عليهم الإتاوات. كان عتريس يحب فؤاده (شادية) منذ نعومة أظافرة ولكن فؤاده تتحدى عتريس بفتح الهويس الذي أغلقه عقاباً لأهل القرية ولأن عتريس يحب فؤاده لا يستطيع قتلها فيقرر أن يتزوجها.

ويأتي نهاية الفيلم بمشهد جنازة محمود وفيها يردد الشيخ إبراهيم جملته الشهيرة «جواز عتريس من فؤاده باطل» ويرددها وراءه كل أهل القرية ويتوجهون لمنزل عتريس الذي لا يستطيع مقاومة كل أهل القرية مجتمعين فيحرق أهل القرية منزل عتريس وهو في داخله.. الفيلم به الكثير من الرمزية، فعتريس يرمز للحاكم الديكتاتور، وأهل القرية يرمزون للشعب الذي يقع تحت وطأة الطاغية. فؤاده ترمز لمصر التي لا يستطيع الديكتاتور أن يهنأ بها، يومها أشار بعض النقاد إلى أن هذا الفيلم قد يرمز لفترة حكم جمال عبد الناصر وأشار البعض الآخر أنه قد يرمز لفترة حكم الملك فاروق، كما قال البعض انه يرمز لأي حكم ديكتاتوري وطغيان وقهر عامة.

وحدثت زوبعة وكان الفيلم جاهزا للعرض وكانت أفيشاته تملأ الشوارع وبعد دفاع شديد عبر الصحف من شادية عن الفيلم قرر الرئيس جمال عبد الناصر أن يشاهد الفيلم ثم شاهده مره أخرى مع أنور السادات وبعد المشاهدة الثانية اقتنع جمال عبد الناصر انه لا يمكن أن يكون هو المقصود بشخصية عتريس وسمح بعرض الفيلم.

هذا الفيلم عن قصة لثروت أباظة كتب حواره وأغنيته الشهيرة:»يا عيني عالولد» الشاعر عبد الرحمن الأبنودي، بالأمس ومصر تقلب بقسوة شديدة ثلاثة عقود من حكم الرئيس حسني مبارك، لم أجد سوى كلمات الأبنودي تعبر عن نهاية آلمتني لرئيس شكل صمام أمان للمنطقة العربية، وسيفتقده أهلها عندما يجد جدهم على طريقة الشاعر: «سيذكرني قومي متى جد جدهم/ وفي الليلة الظلماء يُفتقدُ البدر»، شاء أم أبى الشعب المصري المنطقة ستظل محتاجة الى رجل بحجم وخبرة الرئيس مبارك…

لا أحد يملك معرفة أي مجهول دخلته مصر بالأمس بعدما أطاحت بكل الرئاسات المدنية، لأنها لم تحتمل أن يهزمها التونسيون فيفر زين العابدين بن علي، بينما يفشلون في اطاحة رئيسهم، الغيرة عدوى الشعوب هذه الأيام، فالمصريون لم يتحملوا فكرة أن تهزمهم الجزائر في مباراة كرة قدم ونشبت المذابح بين الشعبين، المشهد التالي سيكون في الجزائر التي سيرفض شعبها أن يغلبه الشعب المصري في التمرد…

* الثلاثاء المقبل «الابتهاج الإيراني المهدوي»: «مصر وأحداثها في عصر الظهور»، سلسلة «مصر والتشيع الممنوع» 2/4، والتي اقتضت أحداث أمس، تأجيلها للمرة الثانية.

المصدر:
الشرق

خبر عاجل