.jpg)
يشهد الشرق الاوسط في الاشهر القليلة الاخيرة ولغاية اليوم، انقلابا دراماتيكيا في كافة الخرائط والحسابات والمعادلات السياسية والاستراتيجية والجيو ـ بوليتيكية، التي لطالما امتازت بها مشهدية المنطقة ووصمت بها منذ عقود.
اولا: لم تعد اسرائيل عدوة العرب، فبعد اكثر من سبعين عاما من اعتبار القضية الفلسطينية قضية العرب الاولى، واسرائيل العدو الاول للعالمين العربي والاسلامي، اصبحت اليوم حليفة لعدد من الدول الخليجية والعربية، وانقلب المشهد العربي من داعم للفلسطينيين في وجه المحتل الاسرائيلي ـ الصهيوني، الى مستاء من الفلسطيني ومن متاجراته بقضيته وانقساماته واصطفافاته غير المنطقية تارة الى جانب ايران وتارة الى جانب تركيا وطورا الى جانب الاخوان المسلمين وسواهم من افرقاء، لم يكن لهم تاريخ نضال ولم يشاركوا يوما باية مواجهة ضد المحتل.
اسرائيل اذاً، لم تعد العدو، كما ان العرب لم يعودوا اعداء اسرائيل، فيما العرب واسرائيل يجمعهم عدو واحد: ايران او الجمهورية الاسلامية في ايران.
انتقل مركز الثقل في المواجهة الاقليمية من اسرائيل الى ايران اي من حوض شرق المتوسط الى تخوم الشرق الادنى واسيا العميقة (الهند ـ الصين).
ثانيا: بدأ مضيق هرمز (الاستراتيجي مبدئيا للخليج) يفقد من قيمته الاستراتيجية ومن كونه ورقة ضغط وتهديد خطيرة بيد ايران تبتز بها دول الخليج والقوى العظمى، ذاك المضيق الذي انحدرت قيمة التبادلات النفطية والتجارية العالمية من خلاله من 35% الى حوالي ما بين 10 و15% من النفط العالمي والتجارة الدولية، فبدأ يفقد اهميته مع نتائج التطبيع العربي الاسرائيلي، وما هو مخطط له من ضخ لنفط الخليج الى العقبة وصولا الى ايلات وحيفا على المتوسط لتصديره الى اوروبا في ما بعد، فيما اصبح متاحا ايضا نقل نفط كركوك والبصرة من الاردن الى العقبة او الى المتوسط عبر حيفا، فيرسل من هناك الى اوروبا العطشة الى النفط. علما ان خط كركوك حيفا كان شغالا لولا الحروب العربية الاسرائيلية، وخط كركوك بانياس في سوريا كان سيستمر بالعمل لولا الحرب العراقية ـ الايرانية، تلك الحروب التي اخرت تغير خريطة المنطقة منذ امد بعيد.
بعض المحللين يطلقون على منطقة الاردن والعقبة وايلات وحيفا تسمية الشام الجديدة، انطلاقا من انتهاء دور سوريا الاستراتيجي والمحوري في المرحلة المقبلة كما سنشرح في ما بعد.
ثالثا: هناك عامل جيو استراتيجي بدأ يتبدل، الا وهو العامل الاوروبي: اوروبا تريد التحرر من نفط وغاز روسيا لانها شعرت بعبودية تجاه موسكو نتيجة حاجتها منها للامداد، ما ساهم في اضعاف القارة العجوز اقتصاديا واستراتيجيا.
من هنا، ثمة توجه كبير الى ان يكون نفط الشرق الاوسط في قسم كبير منه ان لم يكن كله مخصصا لاوروبا، ومن هنا أيضاً نجد دراسات جدية تحاول تنفيذ ربط للبيئة الشرق اوسطية بالبيئة الاوروبية والدولية، ما يعني ربط البيئة الاقتصادية التحتية ببنية الشرق الاوسط للتكامل في السوق النفطي.
علما ان الاتحاد الاوروبي وعند نشأته كان يعتمد على الحديد والفحم في اطلاق اقتصاده كما كانت الحال في فرنسا والمانيا عام 1951، الى ان انتقل الاوروبيون الى معاهدة روما لتبديل مصادر الطاقة فوصلوا بالتالي الى نفط الشرق الاوسط وغازه.
رابعا: وضع العراق وسوريا بدوره في انقلاب المشهدية الاقليمية والتوازنات التقليدية يمكن تمييزه بالعوامل الاساسية الآتية:
1 – امام العراق حاليا فرصة لتقرير ما اذا كان سيختار الانضمام للشرق الاوسط الجديد فيبدأ بمعالجة مشكلة الميليشيات (ويبدو انه ذاهب في هذا الاتجاه اذا تتبعنا خطة تحرك رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي)، او انه سيقف الى جانب ايران وعندها تكون ثورة مسلحة وانتفاضة دموية تطيح بالوضع العراقي.
وفي هذا السياق، تجدر الاشارة الى ان الدول الكبرى ابلغت صناع القرار في كل من العراق وسوريا ولبنان (واخرها بالنسبة للبنان كلام الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الواضح بتاريخ 27/9/2020 ) بضرورة الاختيار بين ان يكونوا عراقيين او لبنانيين او سوريين ام انهم يريدون ان يبقوا ايرانيين فيتحملوا العواقب.
ماكرون ابلغ الايرانيين بضرورة ضبط النفس في خلال الثلاثة اشهر المقبلة، لكن طهران مصرة على ان تقوم بكل ما يمكنها لتقوية موقعها واثبات وجودها واحتفاظها بكافة اوراقها بانتظار من سيفوز في الانتخابات الرئاسية الاميركية. لكن طهران تنسى او تتانسى ان السياسة الخارجية سواء كانت بيد بايدون او ترمب لن تتغير في اساسياتها ولا عودة الى حقبة اوباما في حال وصول بايدن الى البيت الابيض، خصوصاً مع توصل الاميركيين الى قناعة بفشل ورقة الاسلام السياسي السني بالاستيلاء على الانظمة العربية.
2 – اما في سوريا، يلاحظ ان الرئيس الفرنسي لم يزر سوريا لان الاميركيين لا يريدون اي انفتاح غربي على هذا البلد المحكوم بمعادلات قوة دقيقة: فعلى سوريا ان تلتحق وفق ما هو مخطط لها بخريطة المنطقة الجديدة ما يفترض خروج ايران منها هذا العام وليس العام المقبل. لكن بما ان طهران ترفض الخروج من سوريا كما من لبنان كما العراق، فان المواجهة اتية لا محال وقد نكون اصبحنا في مراحل متقدمة منها، اذ كل الاحتمالات مفتوحة، وهذا ما قد يفسر انهيار لبنان اكثر في المجهول السياسي والامني بغياب حكومة وبتأجيج الاحتقان الطائفي والمذهبي الذي قد يفضي الى مواجهة شعبية تخلط الاوراق وتجعل حزب الله يحاول يائسا حسم الارض لصالحه.
علماً ان اي انسحاب ايراني من سوريا سيعني حتما توجه طهران الى الشرق اي الى كشمير اولا ومنطقة صراعاتها لان الشرق الاوسط لن يعود مسرحا لتصدير ثورتها، وبتوجهها نحو كشمير بين الهند وباكستان ستصطدم بالافغانيين والزينبويين والباكستانيين والفاطميين، ما سيتسبب لايران باحراجات سياسية واستراتيجية قد تعجل في تقسيمها، وهي الدولة المركبة الاتنيات والقوميات.
من هنا، يمكن فهم المخطط الاميركي القاضي بقطع خط الحرير المار بالعراق وسوريا ولبنان وكسر الهلال الشيعي الايراني الذي امسك لعشر سنوات برقاب ومفاصل الدول العربية والخليجية، فواشنطن تريد قطعه انطلاقا من كشمير في جنوب اسيا ومن هنا ضرورة احياء الصراع الكشميري.
وبذلك وبعد اسقاط هيبة مضيق هرمز كما ذكرنا اعلاه، تسقط هيبة خط الحرير فينتقل الصراع من غرب اسيا الى جنوب اسيا حيث اللعبة الكبرى منذ العام 1829. فالشرق الاوسط سيخرج اذا من الحروب التي غاص بها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
طهران تعلم ان خروجها من سوريا سيعني حتما خروجها من لبنان والعراق تدريجيا: فسوريا لروسيا والعراق لاميركا، وايران للايرانيين كما يقول احد كبار المحللين الجيو استراتيجيين.
انطلاقا من هذه المواجهة خلال الاسابيع المقبلة، ستعزل سوريا ومعها يعزل لبنان في حين العراق مرشح ان يجتاز القطوع بالتحرر من الايرانيين تحت الضغط الاميركي المباشر على الكاظمي.
لذلك حاول ماكرون من خلال مبادرته تجنيب لبنان العزلة والتي تعني حتما الحرب الاهلية، وقد قالها بوضوح في مؤتمره الصحفي الاخير حول لبنان من الاليزيه بتاريخ 27/9/2020 وهو يهدف الى ابقاء الوضع اللبناني الداخلي هادئا ومضبوطا بايقاع متوازن حتى الانتخابات الرئاسية الاميركية.
فمن خلال قراءة هذه المشهدية الاقليمية والمترابطة بين دولها وادوارها الاقليمية والدولية نستطيع استخلاص التداعيات الكبيرة والخطيرة التي تنتج عن عملية تغيير خريطة المنطقة وتحالفاتها وقواعد اشتباكها خصوصاً ان المرتكزات التي قامت عليها الخريطة السياسية والاقتصادية والاسترايتيجية للمنطقة زهاء 80 عاما تبدلت وتتبدل كل يوم.
فالشام الجديدة لم تعد العراق ـ سوريا ـ لبنان، بقدر ما باتت العراق الاردن ومصر واسرائيل، وهذا ما يقلق بالنسبة للبنان وسوريا المحكومين بالعزلة والحرب خصوصاً ان لا موانىء في لبنان تجتذب التجارة الدولية بعد تفجير مرفأ بيروت في 4 اب الماضي ولا مرافئ في سوريا تستطيع استقطاب حركة التبادلات التجارية المتوسطية.
تحرير العراق من الايرانيين جار على قدم وساق لانه بذلك يحرر تصدير النفط والغاز الى العقبة عبر البصرة والخليج. وفي الوقت المستقطع ارتكب خامنئي ايران خطأ استراتيجيا مميتا عبر خرق خط احمر اميركي عريض: جلب الصين اليها نكاية بواشنطن، والنتيجة ستكون ازاحة المرشد تماما كما ازيح صدام حسين وكما سيزاح بشار الاسد لانهم صدوا مخططات الخريطة الاميركية الجديدة للمنطقة.
عندما سئل الاسكندر المقدوني وهو في مصر وفي عز فتوحاته عن سبب قلقه على الشرق، اجاب بمنتهى البساطة، “انا لا اؤمن على نفسي في مصر، وفارس مسيطرة على الخليج”. وان الغد لناظره قريب وللحديث عن الصين ودورها تتمة.
