
إنه "الحكيم الذي لا يتردّد لحظة في إجراء مراجعة كاملة وشاملة، رغم كونه من القلائل الذين بقوا ثابتين على مواقفهم، ليس منذ العام 2005 وحسب، وإنما منذ أن لمع نجمه في السياسة.
منتصب القامة صعد الى المنصّة، حكيماً وصلباً في آن، لم تنقصه جرأة النقد الذاتي، ولا شجاعة العزم على الاستمرار.
تساءل ماذا عساه أن يقول لـ"رفاق درب" أخرجوه من سجنه الصغير، وأخرجوا لبنان من سجنه الكبير، فإذ به يقول الكثير بـ"صدق" و"شجاعة"، ويعترف لجميع الرفاق، شهداء وأحياء، في ثورة الأرز، بتقصير لا بد من استخلاص دروسه والتعلم من تجربة السنوات الماضية، من أجل قلب صفحة ماضية كان بعضها ناصعاُ وبعضها الآخر ضبابياً.
وضع الإصبع على الجرح. فند أخطاء "14 آذار" التي بمعظمها تعود إلى رهان خائب على حسن نوايا الفريق الآخر، سواء الشريك في الوطن أو "الأخوان في سوريا"، فاعتبر أن "14 آذار لم تصب عندما تسلمت السلطة الشرعية من فوق وسلمت للفريق الآخر بممارسة كل السلطات غير الشرعية من تحت".
لكن رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع توجه إلى الرفاق في ثورة الأرز قائلاً: "جل من لا يخطئ". وهنا بيت القصيد، وكانه يقول لهم، إن الخطأ ليس نهاية العالم، فما زلنا في بداية الطريق، و"إن شعباً قدم قافلة شهداء لا تنتهي لا يمكن أن يعرف إليه اليأس طريقاً .. ولن يجد الإحباط إلى نفسه سبيلاً".
جعجع الذي كان صادقاً حين حذر، في قداس "شهداء المقاومة اللبنانية" في أيلول 2010، شعب ثورة الأرز من أن الإنقلابيين يقفون على الأبواب للإنقضاض على لبنان الدولة والكيان، عاد أمس ووعد جمهور "14 آذار" بأن الإنقلابيين ذوي "القمصان السود" لن يمروا، ولن ينالوا ما يريدون، إذا ما قرر الشعب أن ينتفض من جديد، كما انتفض في "لحظات حاسمة" في آب أيلول من العام 2004، وفي آذار ونيسان من العام 2005.
ولم يقف عند هذا الحد، بل توعد الإنقلابيين، أو "الحزب الحاكم"، بأن وصايتهم الجديدة لن تدوم، بل ستواجه "بثورات أرز لا نهاية لها، حتى اقتلاع المرض من أساسه".
باختصار، حدد "الحكيم" عناوين المرحلة المقبلة بعد أن تحررت "14 آذار" من أعباء حكم فرض عليها تنازلات بعكس قناعاتها. لم يعد هناك من ضبابية، بل وضوح تام في الرؤية، قال سمير جعجع بـ"الفم الملآن": نريد لبنان أولاً، دولة فعلية بسلطة واحدة وسلاح واحد، من خلال تطبيق قرارات الشرعية الدولية، وأبرزها 1559، 1680، 1701، 1757.
وبنبرة عالية، جاهر "الحكيم" بتمسكه بالمحكمة الدولية ، شاء من شاء وأبى من أبى، لأنها إنجاز تاريخي لشعب ثورة الأرز، "لن نرضى عبثاً بها، أو تهديداً لوجودها".