لم تكن مقاربة الصحافي خالد صاغية في مقاله "قليلا من الخجل" في صحيفة الأخبار في العدد ١٣٤٠ الثلثاء ١٥ شباط ٢٠١١ موفقة، إذ وبخلاف معظم الصحافيين الذين لاموا "14 آذار" على ترددها في دعم الثورة البيضاء من جهة، وانتقادهم اللازع لـ "8 آذار" على خلفية تهليلهم بثورة لا تشبههم وموجهة ضد النموذج الذي يجسدونه من جهة أخرى، ذهب الكاتب صاغية بالاتجاه المعاكس، إذ لم يكتف فقط بعدم الإتيان على ذكر "8 آذار" ومشتقاتها، إنما أزعجه ربط قوى "14 آذار" في "البيال" ربيع بيروت بربيع العرب مسجلاً بعض "الحقائق"، كما أسماها، والتي لا بد من التوقف عند بعضها:
*أولا، اعتبر صاغية أن "الاعتراض على التوريث أدى دوراً أساسياً في تفجير الغضب الشعبيّ في مصر كما في تونس"، بينما "من الصعب لمن يعتقد أنّ رئاسة الحكومة هي إرث من الوالد لا يمكن أن يؤول إلى سواه أن يدّعي انتماءه إلى الربيع العربي". وفي هذا التوصيف تشويه للحقيقة من جهة وإغفال لحقائق أخرى من جهة ثانية، هذه الحقائق التي لا بد من تذكير الكاتب بها:
أ-لم يكن هدف الشعب المصري التخلص من شكل النظام في مصر، أي إسقاط حسني مبارك والحؤول دون توريث نجله، وبالتالي الإتيان بنظام شبيه بنظام مبارك، إنما الهدف الأساس تمحور حول طبيعة هذا النظام، وأكبر دليل الشعارات التي رفعها الشعب المصري من خبز وعمل وحرية وكرامة انسانية وحداثة إلى رفض القمع والاستبداد والاضطهاد…
ب-ما سها عن بال الكاتب عمدا أو لغياب الموضوعية أو الجرأة عدم إشارته لا من قريب ولا من بعيد إلى النظام السوري الذي يعتبر، وعن حق، النظام التوريثي الوحيد في المنطقة.
ج-لا يمكن الحديث عن توريث سياسي في ظل نظام ديموقراطي حقيقي، حيث أن الشعب، كما تنص الفقرة "د" من مقدمة الدستور اللبناني هو "مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية"، لا عبر استفتاءات شعبية معلبة ومعلومة النتائج مسبقا على غرار الاستفتاءات السورية.
د-إن العمل السياسي وإلى جانب كونه "قضية" و"مسؤولية وطنية" هو في الوقت نفسه "مهنة" بشكل من الأشكال، وبالتالي يحق لأي رجل سياسي أن يورث نجله علاقاته وصداقاته وخدماته وكل ما أسس له في هذا المضمار، على غرار أي طبيب أو محام وغيرهما، ويتوقف على إرادة الناس أن تمحض هذا الشخص ثقتها أو تحجبها عنه، والأمثلة في لبنان أكثر من أن تعد وتحص عن بيوتات سياسية لم تعد موجودة وأخرى مغيبة وأخيرة غير قادرة على اختراق الخارطة السياسية.
ثانيا، قال الصحافي صاغية ان "النظام المصري الذي هوى لم يكن داعماً خارجياً لثورة الأرز وحسب، بل كان شريكاً في صياغة قراراتها الكبرى. فؤاد السنيورة يعرف ذلك جيّداً، وامتلك على الأقلّ شجاعة توجيه التحيّة إلى راعيه حسني مبارك". لعل تأييد الحركة الاستقلالية للانتفاضة الشعبية المصرية التي تشبه "14 آذار" لا "8 آذار" لا يتعارض مع كون نظام مبارك هو من ضمن منظومة الدول الداعمة والصديقة للبنان وذلك للاعتبارات الآتية:
1-كانت "14 آذار" وما زالت في طليعة المؤيدين لإرادة الناس في الحرية والتحرر وفي مواجهة القمع والظلم والاستبداد من الثورة الخضراء في طهران إلى الثورة البيضاء في القاهرة وما بينهما ثورة الياسمين في تونس.
2-لا يمكن لـ"14 آذار" أن تضع في المنزلة نفسها الدول الداعمة لسيادة لبنان واستقلاله والدول التي تنتهك سيادة لبنان واستقلاله. وفي هذا السياق، يجب التمييز، على سبيل المثال، بين الدور المصري الرافض لأي تدخل في الحياة السياسية اللبنانية والداعم لخيار الدولة في لبنان، هذا الدور الذي يستحق كل شكر وتأييد من أي دولة أتى، وبين الدور الإيراني الداعم لحزب يمده بالمال والسلاح على حساب الدولة اللبنانية، والدور السوري الذي يريد استتباع لبنان ووضعه تحت وصايته.
3- من سخرية القدر أن تشن إيران وتوابعها حملة مركزة على النظام المصري، وكأن طهران والمحور التابع لها حريص كل الحرص على احترام إرادة شعبه والاستجابة لخياراته الديمقراطية وحرياته السياسية. فمن يسخر من نظام معين يفترض أن يكون ما يقدمه من بدائل لشعبه أفضل من هذا النظام وليس أسوأ منه بالتأكيد. فلبنان وحده، في هذه المنطقة، له الحق في انتقاد هذا النظام أو ذاك، لا إيران ولا سوريا ولا حزب الله أو غيره.
ثالثا، لفت الكاتب صاغية إلى أن ثورة الأرز "تخيّرنا وفقاً لأحد خطبائها أمس، (أي الدكتور سمير جعجع) بين يوحنا بولس الثاني وعلي الخامنئي، أو بين ثنائيّ مروان حمادة/ مي شدياق وثنائيّ رستم غزالي/ جميل السيّد. يا لبؤس هذه الخيارات «الثوريّة». ولكن ما فات الكاتب أن ثورة الأرز، كأي ثورة حقيقية في العالم، ترتكز على مفاهيم ثقافية وأبعاد انسانية، وهي كانت السباقة في تشخيص الانقسام في لبنان والمنطقة بأنه يتجاوز السياسي إلى الثقافي، أي بين ثقافة الحياة وثقافة الموت، وذلك في مؤتمرها الأول في ذكرى انطلاق انتفاضتها في العام 2008، وهذا ما أثبتت الأحداث والتطورات صحته وآخرها الانتفاضة الشعبية في مصر.
أما لجهة قوله "بؤس الخيارات الثوريّة" التي أراد الدكتور جعجع تخيير الناس على أساسها فهو أمر شديد الغرابة والاستغراب، لأنه في حال تجاهل الفارق بين هذين النموذجين، فهذه مشكلة، وفي حال لم يلتقط الفارق الأساسي والكبير بين النموذجين المذكورين فالمشكلة أكبر و"أعوص"، إذ هل يمكن التوفيق بين لبنان الرسالة الذي دعا إليه قداسة الحبر الأعظم السابق يوحنا بولس الثاني وبين لبنان الساحة الذي دعا إليه السيد علي خامنئي، أو التوفيق بين لبنان الديموقراطي والمتعدد والمتنوع والمنفتح على كل الثقافات وبين لبنان ولي الفقيه والتيوقراطي والديكتاتوري والرافع شعار "لا صوت يعلو فوق صوت "المقاومة""؟؟؟
هذا على مستوى يوحنا بولس الثاني وعلي الخامنئي، أما على مستوى الثنائيّ مروان حمادة/ مي شدياق والثنائيّ رستم غزالي/ جميل السيّد، فهل يصعب على الكاتب التمييز بين ثنائي يجسد النظام الأمني ومشتقاته من استبداد وإرهاب وطغيان وقمع وظلم وعسس وبلطجية، وبين ثنائي يجسد الحرية والكرامة وحقوق الانسان والحداثة، كما يجسد الصورة الحية، كشهداء أحياء، للنهج الإرهابي، ويجسد أخيرا، أي ثنائي حمادة/ شدياق، نموذج المقاومة المدنية السلمية في مواجهة آلة القتل وأنظمة الاستبداد.
ولا بد أخيرا من سؤال الكاتب ما إذا كان يعتبر، على سبيل المثال، السيد خالد حدادة (أمين عام الحزب الشيوعي) يجسد مثالا ثوريا يحتذى به، أو استطرادا السيد أسامة سعد؟