#dfp #adsense

لبنان بـ”حضن السما”: قصة الاستشهاد والتطويب

حجم الخط

من سهول لبنان إلى سهول نينوى، ومن جبال الصعيد إلى جبال أرارات، ومن وادي القديسين إلى وادي النصارى، من مغاور الجبال إلى القسطنطينية… عبر التاريخ، وفي مهد المسيحية، لم تنته المآسي ولم يجد الظلم له راحة ولا توقفت المجازر أو انتهى التهجير. قالها المسيح، “ستقتلون وتضطهدون باسمي، لكن ثقوا أنى غلبت العالم”، وعلى هذه الوصية، يقاوم مسيحيو هذا الشرق ويثبتون بالمسيح في أرضهم، على الرغم من كل صولات الاضطهاد وجولاته بحقهم.

لم يقتصر اضطهاد المسيحيين على الطرق الوحشية، فهم لطالما تعرضوا للاضطهاد والتمييز وتفجير الكنائس والقتل وتدمير المنازل والمحال والاختطاف. وليس تلف وثائقهم ومخطوطاتهم التي يعود تاريخها إلى آلاف السنين، إلا محاولة لمحو تاريخهم وتشويه صورتهم. تطوران بارزان أعادا في الايام الماضية، قضية المسيحيين في الشرق الى الواجهة.
احداث اقليم ناغورنو قره باغ، نشط الذاكرة الأليمة، لينضم اليها سريعاً ما كشفت عنه حراسة الشرق الأدنى للأخوة الاصاغر الكبوشيين ـ دير مار انطونيوس البادواني، بإعلان ايجابية دعوى تطويب الراهبين الكبوشيين اللبنانيين ليونارد عويس ملكي وتوما صالح.

فمن يعود الى حياة الراهبين، يدرك تماماً معنى الصمود والاستشهاد من أجل المسيح، وحياتهما شهادة عنوانها “ابواب الجحيم لن تقوى علينا”.

يلفت خادم حراسة الشرق الأدنى للأخوة الأصاغر الكبوشيين ـ دير مار انطونيوس البادواني الأب عبدالله النفيلي، الى أن الراهبين الكبوشيين، اللذين ولدا في بعبدات وخدما في تركيا، استشهدا هناك، دفاعاً عن إيمانهما المسيحي.

ويوضح لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن الاب ليونار ملكي الذي ولد عام 1881، استشهد عن 36 عاماً، بينما استشهد الأب توما صالح الذي ولد عام 1879، عن 38 عاماً، في إحدى صحاري تركيا.

يشير الى ان “المُطوبين” دخلا الى الرهبنة الكبوشية وطلبا أن يخدما في تركيا (أيام السلطنة العثمانية)، فذهبا كمرسلين وتعلما هناك، على الرغم من معرفتهما المسبقة بان إمكانية عودتهما الى لبنان صعبة. وبعدما اتما نذورها الراهبانية وسيما كاهنين، انطلقا في رسالتهما في اماكن عدة في تركيا (ديار بكر، ماردين…)، وعاشا حياة رهبانية صالحة، فعلما الإرشاد والاسرار والتعليم الديني، وتابعا الطلاب في المدارس العلمانية.

ويلفت الاب النفيلي، الى انه مع انطلاقة الحرب العالمية الأولى، بدأ الاضطهاد الفعلي بحق المسيحيين، الذين اتهمتهم السلطة العثمانية حينها، بالتواطؤ مع الفرنسيين، وأصدرت قراراً بإبادة جماعية بحقهم، فالقي القبض على الاب ملكي من ضمن قافلة تضمن 400 شخص. وبعدما طلب الأتراك منهم التخلي عن مسيحيتهم، رفضوا جميعهم مرددين “نستشهد مسيحيين”، تم سجنهم، وتعذيبهم، وقتلهم جميعاً، وقبل طمرهم في الصحراء، تمت تعريتهم من ثيابهم كي لا يتم التعرف إليهم في ما بعد.

يضيف، “الاب مالويان الذي أعلنته الكنيسة الأرمينية طوباوياً، كان من بين القافلة التي انتقلت بين ماردين وديار بكر، وقبل تنفيذ الإبادة، طلب مالويان وملكي الصلاة وكان معهما قطعة من الخبز، فتجمعت القافلة حولهما، وبعد مباركة الخبز وتناول جسد المسيح، انبعثت غيمة كبيرة، حجبت الرؤية عن جنود السلطنة”.

ويوضح أن الاب صالح، اعتقل بعدما عرفت السلطنة العثمانية أنه يخبئ في ديره كاهناً أرمينياً، فالقي القبض على رهبان الدير وعذبوا ايضاً، ليتوفى بعدها الاب توما بمرض التيفوس الناجم عن عذاب الجسد.

يلفت الى أن “الحراسة الكبوشية”، لم تتمكن من الحصول على رفاة الراهبين، لكن الرسائل التي دونها ملكي وصالح، وارسلاها الى رؤسائهما، طيلة فترة خدمتها في تركيا، وثقت تفاصيل حياتهما وخدمتهما الكهنوتية ومعاناتهما، مشيراً الى أن ملف التطويب رفع الى الفاتيكان عام 2011، بعدما استكملت الوثائق التاريخية واللاهوتية، ووصل الملف الى مجمع الكرادلة الذي وافق على انهما قضيا “شهداء المسيح”.

يوضح الاب النفيلي أن الكنيسة لا تحتاج الى عجيبة، في دعوى تطويب الشهداء، إلا أن الانتقال من مرحلة الطوباوية الى القداسة، يحتاج الى اعجوبة مثبتة. وإذ يبدي ارتياحه لأن إعلان التطويب بات على قاب قوسين أو أدنى، يتوقع أن يوقع البابا عليه خلال شهر من الآن، على أن يتم تحديد زمان التطويب ومكانه، مرجحاً أن يكون في لبنان.

ويؤكد الأب النفيلي أن ما يجري في ملف الراهبين، رسالة من الله، الذي يقول لنا، إنه على الرغم من الصعاب والحروب، انا معكم، والمكرمان ليسا الا نموذجاً دامغاً عن تاريخ مسيحيي الشرق واضطهادهم الدائم، يضيف، “ستبقى المسيحية ثابتة بإيمانها، ومتجذرة بأرضها، لان المسيحية لا تنمو الا بدماء الشهداء، وابواب الجحيم لن تقوى علينا”.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل