في إحيائها ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري في البيال، قدّمت 14 آذار عناوين عريضة لتحركها المقبل، في المعارضة "غير الكلاسيكية" التي وعدت بها اللبنانيين، بعد أن جعلتها السنوات الماضية تبتعد نسبياً عن واقعها الجماهيري، وفي بعض الأحيان عن معركتها السياسية التي أعطتها ثقة "الجماهير".
من ضمن هذه العناوين العريضة والكبيرة في الوقت نفسه، موضوع حماية اللبنانيين من تهديد السلاح، لا بل من السلاح اللاشرعي من حد ذاته.
هذا العنوان الذي بالتأكيد يُشكل هاجس كل من قرّر العيش بأمان تحت سقف الدولة بمؤسساتها الشرعية، وهو الأمر الغائب حالياً عن التطبيق لدواعٍ لا تعني 14 آذار بقدر ما تعني أولياء السلاح، الذين أخذوا على عاتقهم تطويق كل موقع يجعل من مفهوم الدولة، أساس تعاطيه مع الآخر.
مفهوم مواجهة السلاح، وحماية اللبنانيين منه، ليس عبارة مارقة، أو شعاراً يُراد منه كسب تأييد رأي عام، على غرار ما تفعل قوى 8 آذار في طرحها للعناوين الشائكة، لأن ما قيل في "البيال" هو في صلب ما قامت من أجله ثورة الأرز، إذ إن الحماية، وإن كانت في السابق من نظام أمني داخلي ـ خارجي، فإنها اليوم أصبحت حاجة لا تحكمها الوقائع والأحداث، لأنها تحوّلت لتكون حماية للنسيج اللبناني من نظام أعقد وأقسى مما كان عليه واقع النظام الوصائي البائد.
وليس هذا الشعار أيضاً، بهدف القول إن هناك من أخذ رئاسة حكومة من هنا أو رهن مؤسسات من هناك، فواقع التجربة أبعد من ذلك بكثير. فهذه الحماية أُريد لها أن تكون بعد أن كان لهذا السلاح صولاته وجولاته في شوارع بيروت والجبل، وبعدما تحوّل ليكون وسيلة ضغط لا حاجة لاستعمالها بقدر ما أهميتها تكمن بالتلويح بها ولو من بعيد، ليخضع هذا ويساوم ذاك، وتذهب المؤسسات في سباتها العميق.
بل أكثر منذ ذلك، لقد أصبح من المسلّمات أن موضوع السلاح ليس بوارد الطرح بالنسبة الى "حزب الله"، فما قاله بالأمس أمينه العام السيد حسن نصر الله، يعبّر تماماً عن هذا التوجه، الذي كان موجوداً في عزّ "همروجة" الحوار حول الاستراتيجية الدفاعية، وإن حاول الحزب أن يميّع هذا الواقع حفاظاً على هيئة وُجدت لكي تتفق فيما بين أعضائها على ألا يتفقوا.
في ذلك الوقت، كان يُقال للبنانيين إن مجرد اللقاء حول طاولة واحدة أمر ضروري لأنّه يخفف الإحتقان، وفي هذا الكلام ما لا يُقدّم ولا يؤخّر، لأنّ ما ظهر لاحقاً أثبت أن ما لا يُبحث بجدية، يؤسس لشرخ لا تستطيع أي طاولة معالجته مهما كان.
قال الأمين العام لـ"حزب الله": "ما تتعبوا حالكم عالفاضي بموضوع السلاح". هذا ما يؤكد أن العناوين التي طرحتها قوى الاستقلال لم تأت من عدم، على رأسها موضوع السلاح، فكيف تستطيع حماية اللبنانيين منه، والتجارب المؤذية كبيرة وكبيرة جداً؟
قيادي بارز في قوى 14 آذار، يرى أنه "للوصول إلى تحقيق هذا العنوان، على قوى الاستقلال أن تتخذ القرار الواضح لمواجهة سلاح حزب الله، وبالتالي أن تنتهي من الإزدواجية في الكلام عن هذا السلاح، والفصل بين ما هو داخلي وما هو سلاح مقاوم، لأن هذا الأمر لم يعد يجدي نفعاً، والتجارب أثبتت هذه المعادلة".
وبرأي القيادي، أن قرار المواجهة اتُخذ وما تبقّى ليس سوى تفاصيل، وعناوين هذه المواجهة أصبحت واضحة، ولهذا يُحدد خمس نقاط أو بالأحرى سبل، توصل إلى نتائج حاسمة على الأصعدة كافة، وتجعل هذه القوى قادرة على تطبيق ما وعدت اللبنانيين به في البيال، وهي:
[ لا يواجه سلاح "حزب الله" من خلال المقولة التي كانت سائدة في صفوف 14 آذار، بأنها لا ترغب الدخول في هذه المعركة منعاً لإدخال لبنان في حرب أهلية، لأن الحرب القائمة أبشع بكثير من كل ما يُمكن أن يحصل في حال كانت المواجهة.
[ إطلاق المقاومة المدنية في مواجهة السلاح، وهذه المقاومة تستوحي مما كان في العام 2005 وما قبله، حين واجه اللبنانيون الجيوش الخارجية والقوى التابعة لها بكل حضارة ورقيّ، ونجحوا في الوصول إلى مبتغاهم.
[ تحديد أشكال المقاومة المدنية في الداخل وفي الخارج، وتحديداً في أوروبا وأميركا والعالم العربي، وهذا ما تجري دراسته اليوم، لأن تزخيم هذا المطلب لن يكون فقط لبنانياً، بل في كل بلدان الانتشار ولدى كل دول القرار، القريبة منها والبعيدة.
[ دفع العالم العربي إلى تحمّل مسؤولياته تجاه "الوطن الأسير"، لأنه من غير المقبول بعد اليوم أن يبقى الواقع اللبناني على ما هو عليه، وعلى العرب وعواصم القرار فيه أن يكونوا كما كانوا في كل الأوقات، داعمين لحرية لبنان وشعبه.
[ أخيراً، إطلاق دينامية سياسية لا تنتهي قبل إيجاد حلٍ نهائي للسلاح، بدءاً من تحديد دور لبنان في الصراع العربي الإسرائيلي، وصولاً إلى طرح مشروع الهدنة من جديد بعد تطويره.
في المحصلة، هذه هي العناوين، وهذه هي المعركة التي ستخوضها 14 آذار، كي يبقى اللبنانيون بمنأى عن "ساعات التخلّي" لدى أولياء السلاح. ولهذا، فإن المطلوب ترجمة هذه الخطة إلى أرض الواقع، وأغلب الظنّ أن الأيام المقبلة، ستحمل الجواب الشافي لغالبية من اللبنانيين المنتظرين، منذ أكثر من ثلاث سنوات.